التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٩ - ثانيا الإعجاز في دراسات اللاحقين من علماء و كتاب معاصرين
تلك اللمسات الهائلة .. كلّ لفظ له ثقل الجبال و وقع الرعود .. تنزل فإذا كلّ شيء صمت .. سكون، هدوء، و قد كفّت الطبيعة عن الغضب و وصلت القصة الى ختامها: وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ.
إنّك لتشعر بشيء غير بشريّ تماما في هذه الألفاظ الهائلة الجليلة المنحوتة من صخر صوان، و كأن كلّ خرف فيها جبل الألب. لا يمكنك أن تغيّر حرفا أو تستبدل كلمة باخرى، أو تؤلّف جملة مكان جملة، تعطي نفس الإيقاع و النغم و الحركة و الثقل و الدلالة .. و حاول و جرّب لنفسك في هذه العبارة البسيطة ذات الكلمات العشر، أن تغيّر حرفا أو تستبدل كلمة بكلمة! و لهذا وقعت العبارة القرآنية على آذان عرب الجاهلية الذين عشقوا الفصاحة و البلاغة وقع الصاعقة! و لم يكن مستغربا من جاهلي مثل الوليد بن المغيرة، عاش و مات على كفره أن يذهل، و أن لا يستطيع أن يكتم إعجابه بالقرآن، برغم كفره فيقول، و قد اعتبره من كلام محمد:
«و اللّه إنّ لقوله لحلاوة، و إنّ عليه لطلاوة، و إنّ أعلاه لمثمر، و إنّ أسفله لمغدق، و إنّه يعلو و لا يعلى عليه».
و لمّا طلبوا منه أن يسبّه قال: «قولوا ساحر جاء بقول يفرق بين المرء و أبيه، و بين المرء و أخيه، و بين المرء و زوجته، و بين المرء و عشيرته».
إنّه السحر حتى على لسان العدوّ الذي يبحث عن كلمة يسبّه بها.
و إذا كانت العبارة القرآنية لا تقع على آذاننا اليوم موقع السحر و العجب و الذهول، فالسبب هو التعوّد و الألفة و المعايشة منذ الطفولة و البلادة و الاغراق في عاميّة مبتذلة أبعدتنا عن أصول لغتنا. ثم اسلوب الأداء الرتيب الممل الذي نسمعه من مرتّلين محترفين يكرّرون السور من أوّلها إلى آخرها بنبرة واحدة