التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٠ - ثانيا الإعجاز في دراسات اللاحقين من علماء و كتاب معاصرين
لا يختلف فيها موقف الحزن من موقف الفرح من موقف الوعيد من موقف البشرى من موقف العبرة. نبرة واحدة رتيبة تموت فيها المعاني و تتسطح العبارات.
و بالمثل بعض المشايخ ممّن يقرأ القرآن على سبيل اللعلعة دون أى ينبض شيء في قلبه .. ثم المناسبات الكثيرة التي يقرأ القرآن فيها روتينيّا ... ثم الحياة العصرية التي تعدّدت فيها المشاغل و توزّع الانتباه و تحجّر القلب و تعقدت النفوس و صدئت الأرواح.
و برغم هذا كلّه فإنّ لحظة صفاء ينزع الواحد فيها نفسه من هذه البيئة اللزجة، و يرتدّ فيها طفلا بكرا و ترتدّ له نفسه على شفّافيّتها، كفيلة بأن تعيد إليه ذلك الطعم الفريد و النكهة المذهلة و الإيقاع المطرب الجميل في القرآن ..
و كفيلة بأن توقفه مذهولا من جديد بعد قرابة ألف و أربعمائة سنة من نزول هذه الآيات و كأنّها تنزل عليه لساعتها و توّها.
اسمع القرآن يصف العلاقة الجنسية بين رجل و امرأة بأسلوب رفيع و بكلمة رقيقة مهذّبة فريدة لا تجد لها مثيلا و لا بديلا في أيّة لغة: فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً[١]. هذه الكلمة «تغشّاها» ... تغشاها رجلها .. أن يمتزج الذكر و الأنثى كما يمتزج ظلّان و كما يغشى الليل النهار و كما تذوب الألوان بعضها في بعض، هذا اللفظ العجيب الذي يعبّر به القرآن عن التداخل الكامل بين اثنين، هو ذروة في التعبير.
و ألفاظ اخرى تقرؤها في القرآن فتترك في السمع رنينا و أصداء و صورا حينما يقسم اللّه بالليل و النهار فيقول: وَ اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ. وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ[٢] .. هذه الحروف الأربعة «عسعس» هي الليل مصوّرا بكل ما فيه.
وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ أنّ ضوء الفجر هنا مرئي و مسموع .. أنّك تكاد تسمع
[١] الأعراف: ١٨٩.
[٢] التكوير: ١٧- ١٨.