التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٠ - مقارنة عابرة
|
كأنّي غداة البين يوم تحمّلوا |
لدى سمرات الحيّ ناقف حنظل[١]. |
|
قال: إنّك تجد من كلّ كلمة من هذا البيت مطلعا من مطالع الروعة، و مدخلا يدلف بك الى مشهد من مشاهد الإنسان في صراعه مع عواطفه، فلا تملك من نفسك إلّا أن تعطف على تلك النفوس التي ذهب بها الوجد و أحرقها الأسى.! قلت: و لعلّ صاحبنا هذا هو ناقف حنظل هواجسه، فجعل يهذو عن أبيات لا عذوبة فيها و لا روعة و لا جمال، و إنّما هي بيداء قاحلة لا غضاضة فيها و لا طراوة.
و المعنى الذي أراده مفهوم عامّ يتصوّره كلّ عاميّ مسترسل.
و ذكر ابن رشيق بشأن المبالغة: أنّ الناس مختلفون فيها، فمنهم من يؤثرها و يقول بتفضيلها و يراها الغاية القصوى في الجودة، كما قيل: أشعر الناس من استجيد كذبه[٢] و منهم من يعيبها و ينكرها و يراها عيبا و هجنة في الكلام.
قال بعض الحذّاق بنقد الشعر: المبالغة ربما أحالت المعنى و لبسته على السامع، فليست لذلك من أحسن الكلام و لا أفخره، لأنّها لا تقع موقع القبول كما لا يقع الاقتصاد و ما قاربه، لأنّه ينبغي أن يكون من أهمّ أغراض الشاعر و المتكلّم أيضا الإبانة و الإفصاح و تقريب المعنى على السامع، فإنّ العرب إنّما فضلّت بالبيان و الفصاحة و حلا منطقها في الصدور و قبلته النفوس لأساليب حسنة، و إشارات لطيفة، تكسبه بيانا و تصوّره في القلوب تصويرا.
فمن أحسن المبالغة و أغربها عند الحذّاق: التقصّي، و هو بلوغ الشاعر أو المتكلّم ما يمكن من وصف الشيء، كقول عمرو بن الأيهم التغلبيّ:
|
و نكرم جارنا ما دام فينا |
و نتبعه الكرامة حيث كانا |
|
[١] البين: الفراق. و السّمرة: شجر ضخم له شوك. و ناقف الحنظل: هو الذي يشق الحنظل ليخرج ثمره المرّ.
[٢] نسبه ابن رشيق الى نابغة بني ذبيان.