التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٣ - ثانيا الإعجاز في دراسات اللاحقين من علماء و كتاب معاصرين
أولينا أو شدّة، و بما يهيّئ له من الحركات المختلفة في اضطرابه و تتابعه على مقادير تناسب ما في النفس من اصولها. ثم هو يجعل الصوت الى الإيجاز و الاجتماع، أو الإطناب و البسط، بمقدار ما يكسبه من الحدرة و الارتفاع و الاهتزاز و بعد المدى و نحوها، ممّا هو بلاغة الصوت في لغة الموسيقى.
... و هذه هي طريقة الاستهواء الصوتي في اللغة، و أثرها طبيعي في كلّ نفس، فهي تشبه في القرآن الكريم أن تكون صوت إعجازه الذي يخاطب به كلّ نفس تفهمه، و كلّ نفس لا تفهمه، ثم لا يجد من النفوس على أيّ حال إلّا الإقرار و الاستجابة ... و قد انفرد بهذا الوجه للعجز، فتألّفت كلماته من حروف لو سقط واحد منها أو أبدل بغيره أو أقحم معه حرف آخر، لكان ذلك خللا بيّنا، أو ضعفا ظاهرا في نسق الوزن و جرس النغمة، و في حسّ السمع و ذوق اللسان، و في انسجام العبارة و براعة المخرج و تساند الحروف و إفضاء بعضها الى بعض، و لرأيت لذلك هجنة في السمع ...
... و ممّا انفرد به القرآن على سائر الكلام، أنّه لا يخلق على كثرة الردّ و طول التكرار، و لا تملّ منه الإعادة، و كلّما أخذت فيه على وجهه و لم تخل بأدائه، رأيته غضّا طريّا و جديدا مونقا و صادفت من نفسك نشاطا مستأنفا و حسّا موفورا ... و هذا لعمر اللّه أمر يوسّع فكر العاقل و يملأ صدر المفكّر، و لا نرى جهة تعليله و لا نصحّح منه تفسيرا إلّا ما قدّمنا من إعجاز النظم بخصائصه الموسيقيّة، و تساوق هذه الحروف على اصول مضبوطة من بلاغة النغم، بالهمس و الجهر و القلقلة و الصفير و المدّ و الغنّة ... على اختلاف أنحائها بسطا و إيجازا و ابتداء و ردّا و إفرادا و تكريرا ...
... و الكلمة في حقيقة وصفها إنّما هي صوت للنفس، لأنّها تلبّس قطعة من المعنى فتختصّ به على مناسبة لحظتها النفس فيها حين فصّلت تركيب الكلام.