التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٦ - ٩ - كلام القطب الراوندي
و أنّ معارضته تعذّرت لكونه خارقا للعادة، ثبت بذلك نبوّته المطلوبة.
ثمّ إنّ القرآن معجز، لأنّه (صلى اللّه عليه و آله) تحدّى العرب بمثله، و هم النهاية في البلاغة، و توفّرت دواعيهم الى الإتيان بما تحدّاهم به، و لم يكن لهم صارف عنه و لا مانع منه، و لم يأتوا به. فعلمنا أنّهم عجزوا عن الإتيان بمثله.
و إنّما قلنا: أنّه (صلى اللّه عليه و آله) تحدّاهم به، لأنّ القرآن نفسه يتضمّن التحدّي كقوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ معلوم أنّ العرب في زمانه و بعده كانوا يتبارون بالبلاغة و يفخرون بالفصاحة، و كانت لهم مجامع يعرضون فيها شعرهم، و حضر زمانه من يعدّ في الطبقة الاولى كالاعشى و لبيد و طرفة، و زمانه أوسط الأزمنة في استعمال المستأنس من كلام العرب، دون الغريب الوحشي الثقيل على اللسان، فصحّ أنّهم كانوا الغاية في الفصاحة.
و إنّما قلنا: اشتدّت دواعيهم الى الإتيان بمثله، فإنّه تحدّاهم ثمّ قرّعهم بالعجز عنه بقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً و قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا.
فإن قيل: لعلّ صارفهم هو قلّة احتفالهم به أو بالقرآن، لانحطاطه في البلاغة! قلنا لا شبهة أنّه (صلى اللّه عليه و آله) كان من أوسطهم في النسب، و في الخصال المحمودة حتى سمّوه الأمين الصدوق، و كيف لا يحتفلون به و هم كانوا يستعظمون القرآن حتى شهروه بالسحر و منعوا الناس من استماعه، لئلّا يأخذ بمجامع قلوب السامعين، فكيف يرغبون عن معارضته![١] و أمّا وجه إعجاز القرآن فقد اختلف المتكلّمون في جهة إعجازه على سبعة أوجه
[١] بحار الأنوار: ج ٨٩ ص ١٢١- ١٢٥.