التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٥ - ٩ - كلام القطب الراوندي
و رابعها: أنّه لم يعارضوه للتعذّر و العجز.
و خامسها: أنّ هذا التعذّر خارق للعادة.
فإذا ثبت ذلك، فإمّا أن يكون القرآن نفسه معجزا خارقا للعادة بفصاحته، و لذلك لم يعارضوه، أو لأنّ اللّه صرفهم عن معارضته و لو لا الصرف لعارضوه، و أيّ الأمرين ثبت صحّت نبوّته (عليه السّلام) لأنّ اللّه تعالى لا يصدّق كاذبا، و لا يخرق العادة لمبطل.
و أمّا ظهوره (صلى اللّه عليه و آله) بمكة و دعاؤه الى نفسه، فلا شبهة فيه، بل هو معلوم ضرورة لا ينكره عاقل و ظهور هذا القرآن على يده أيضا معلوم ضرورة، و الشك في أحدهما كالشك في الآخر.
و أمّا الذي يدلّ على أنّه (صلى اللّه عليه و آله) تحدّى بالقرآن، فهو أنّ معنى قولنا أنّه تحدّى، أنّه كان يدّعي أنّ اللّه تعالى خصّه بهذا القرآن و أنبأه به، و أنّ جبرئيل (عليه السّلام) أتاه به، و ذلك معلوم ضرورة، لا يمكن لأحد دفعه. و هذا غاية التحدّي، في المعنى.
و أمّا الكلام في أنّه لم يعارض، فلأنّه لو عورض لوجب أن ينقل، و لو نقل لعلم، كما علم نفس القرآن. فلما لم يعلم، دلّ على أنّه لم يكن.
و إنّما قلنا: أنّ المعارضة لو كانت لوجب نقلها، لأنّ الدواعي متوفّرة على نقلها، و لأنّها- حينذاك- تكون الحجّة و القرآن شبهة، لو كانت. و نقل الحجّة أولى من نقل الشبهة.
و أمّا الذي نعلم به أنّ جهة انتفاء المعارضة التعذّر لا غير، فهو أنّ كلّ فعل ارتفع عن فاعله مع توفّر دواعيه إليه، علم أنّه ارتفع للتعذّر. و لهذا قلنا أنّ هذه الجواهر، و الأكوان ليست بمقدورنا. و خاصّة إذا علمنا أنّ الموانع المعقولة مرتفعة كلّها. فيجب أن نقطع على أنّ ذلك من جهة التعذّر لا غيره و إذا علمنا أنّ العرب تحدّوا بالقرآن فلم يعارضوه مع شدّة حاجتهم الى المعارضة، علمنا أنهم لم يعارضوه للتعذّر لا غير. و إذا ثبت كون القرآن معجزا