التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٣ - ثانيا الإعجاز في دراسات اللاحقين من علماء و كتاب معاصرين
حتى الذين لا يعرفون لغة العرب، فكيف يخفى على العرب أنفسهم؟
إنّ أوّل شيء أحسّته تلك الآذان العربيّة في نظام القرآن هو ذلك النظام الصوتي البديع الذي قسمت فيه الحركة و السكون تقسيما منوّعا يجدّد نشاط السامع لسماعه، و وزّعت في تضاعيفه حروف المدّ و الغنّة توزيعا بالقسط يساعد على ترجيع الصوت به و تهادى النفس فيه آنا بعد آن، الى أن يصل الى الفاصلة الاخرى فيجد عندها راحته العظمى. و هذا النحو من التنظيم الصوتي إن كانت العرب قد عمدت الى شيء منه في أشعارها فذهبت فيها الى حدّ الإسراف في الاستهواء ثمّ الى حدّ الإملال في التكرير، فإنّها ما كانت تعهده قط و لا كان يتهيّأ لها بتلك السهولة في منثور كلامها سواء المرسل و المسجوع، بل كان يقع لها في أجود نثرها عيوب تغضّ من سلاسة تركيبه و لا يمكن معها إجادة ترتيله إلّا بادخال شيء عليه أو حذف شيء منه.
لا عجب إذا أن يكون أدنى الألقاب الى القرآن- في خيال العرب- أنّه شعر، لأنّها وجدت في توقيعه هزّة لا تجد شيئا منها إلّا في الشعر. و عجب أن ترجع الى نفسها فتقول ما هو بشعر؛ لأنّه- كما قال الوليد- ليس على أعاريض الشعر في رجزه و لا في قصيده. ثم لا عجب أن تجعل مردّ هذه الحيرة أخيرا الى أنّه ضرب من السحر، لأنّه جمع بين طرفي الإطلاق و التقييد في حدّ وسط، فكان له من النثر جلاله و روعته، و من الشعر جماله و متعته.
أنت إذا ما اقتربت بإذنك قليلا، فطرقت سمعك جواهر حروفه، خارجة من مخارجها الشحيحة، فاجأتك منه لذّة اخرى في نظم تلك الحروف و رصفها و ترتيب أوضاعها فيما بينها: هذا ينقر و ذاك يصفر، و ثالث يهمس، و رابع يجهر، و آخر ينزلق عليه النفس، و آخر يحتبس عنده النفس، و هلّم جرا. فترى الجمال اللغوي ماثلا أمامك في مجموعة مختلفة مؤتلفة[١] لا كركرة و لا ثرثرة، و لا رخاوة
[١] من وقف على صفات الحروف و مخارجها ازداد بهذا المعنى علما. و سيأتي تفصيل أكثر في كلام الرافعي، كما أشار إليه الزملكاني من ذي قبل فيما مرّ من كلامه الآنف. و هذا جانب دقيق من سرّ إعجاز القرآن التأليفي فتنبّه.