التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٤ - ثانيا الإعجاز في دراسات اللاحقين من علماء و كتاب معاصرين
٤- و منها: إعجازه من وجهة التشريع العادل و نظام المدنية الراقية، ممّا يترفّع بكثير عن مقدرة البشر الفكريّة و العقليّة ذلك العهد. و لا سيّما إذا قارناه مع شرائع كانت دارجة في أوساط البشر المتديّنة أو المتمدّنة فيما زعموا.
٥- و منها: استقصاؤه للأخلاق الفاضلة و مبادئ الآداب الكريمة، ممّا كانت تنبو عن مثل تلك العادات و الرسوم التي كانت سائدة الى ذلك العهد.
٦- و منها: إخباراته الغيبية و إرهاصاته بتحكيم هذا الدين و إعلاء كلمة اللّه في الأرض في صراحة و يقين ...
قال: هذا شيء قليل من البيان في الوجهات المذكورة، و هب أنّ الوساوس تقتحم على الحقائق و تخالط الأذهان بواهيات الشكوك، و لكن الزبد يذهب جفاء فأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ... و هل يسوغ لذي شعور أن يختلج في ذهنه الشك- بعد هذا- في إعجاز القرآن، و هو الكتاب الجامع بفضيلته لهذه الكرامات الباهرة و خروجه عن طوق البشر مطلقا، و خصوصا في ذلك العصر و في تلك الأحوال، و هل يسمح عقله إلّا بأن يقول: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى[١] و صدق اللّه العظيم[٢].
٩- و هكذا ذهب سيّدنا الطباطبائي مذهب شيخه البلاغي في وجوه الإعجاز، قال: وقع التحدّي الصريح بوجه عامّ، و لم يخصّ جانب بلاغته فحسب ليختصّ بالعرب العرباء أو المخضرمين قبل أن يفسد لسانهم بالاختلاط مع الأجانب. و كذا كلّ صفة خاصّة اشتمل عليها القرآن، كالمعارف الحقيقية و الأخلاق الفاضلة و الأحكام التشريعيّة و إخباره بالمغيّبات و غيرها ممّا لم تبلغها البشريّة و لم يمكنها بلوغ كنهها إطلاقا. فالتحدّي يشمل الجميع و في جميع ما يمكن فيه التفاضل من الصفات.
[١] النجم: ٤.
[٢] راجع تفصيل ما اقتضبناه من مقدّمة تفسيره آلاء الرحمن: ص ٣- ١٦.