التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٦ - الطفيل بن عمرو الدوسي
قال ابن عباس: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و هو بمكة إذا قرأ القرآن يرفع صوته، فكان المشركون يطردون الناس عنه و يقولون: لا تسمعوا لهذا القرآن و الغوا فيه. قال: بالتصفير و التخليط في المنطق على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إذا قرأ القرآن، قريش تفعله[١].
الطفيل بن عمرو الدوسي:
و كان الطفيل بن عمرو الدوسي شاعرا لبيبا من أشراف العرب، كان قد قدم مكّة و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بها. فمشى إليه رجال من قريش، و قالوا له: يا طفيل، إنّك قدمت بلادنا، و هذا الرجل الذي بين أظهر ناقد أعضل بنا[٢] و قد فرّق جماعتنا و شتّت أمرنا، و إنّما قوله كالسحر يفرّق بين الرجل و بين أبيه، و بين الرجل و بين أخيه، و بين الرجل و زوجته، و إنّا نخشى عليك و على قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلّمه و لا تسمعن منه شيئا.
و كانت قريش قد تخوّفت من إسلام الطفيل، الشاعر المفلّق، و للشعر عند العرب مكانة سامية، فإذا أسلم اندفعت العرب وراءه.
قال الدوسي: فو اللّه ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا و لا أكلّمه، حتّى حشوت في اذني حين غدوت الى المسجد كرسفا، فرقا من أن يبلغني شيء من قوله.
قال: فغدوت الى المسجد و إذا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قائم يصلّي عند الكعبة، فقمت قريبا منه، فأبي اللّه إلّا أن يسمعني بعض قوله: فسمعت كلاما حسنا، فقلت في نفسي: و اثكل أمي، و اللّه إنّي لرجل لبيب شاعر ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته و إن كان قبيحا تركته.
[١] الدر المنثور للسيوطي: ج ٥ ص ٣٦٢- ٣٦٣.
[٢] أي أوجد معضلة فينا، و المعضلة هي المشكلة.