التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١١ - ثانيا الإعجاز في دراسات اللاحقين من علماء و كتاب معاصرين
زقزقة العصفور و صيحة الديك ..
فإذا كانت الآيات نذير الغضب و إعلان العقاب فإنك تسمع الألفاظ تتفجر .. و ترى المعمار القرآني كلّه له جلجلة. اسمع ما يقول اللّه عن قوم عاد:
وَ أَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَ ثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ[١]. إنّ الآيات كلّها تصرّ فيها الرياح و تسمع فيها اصطفاق الخيام و أعجاز النخل الخاوي و صورة الأرض الخراب.
و الصور القرآنية كلّها تجدها مرسومة بهذه اللمسات السريعة و الظلال المحكمة و الألفاظ التي لها جرس و صوت و صورة.
و لهذه الأسباب مجتمعة كان القرآن كتابا لا يترجم. إنّه قرآن في لغته، أمّا في اللغات الأخرى فهو شيء آخر غير القرآن .. إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا[٢] و في هذا تحديد فاصل.
و كيف يمكن أن تترجم آية مثل: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى[٣]. إنّنا لسنا أمام معنى فقط، و إنّما نحن بالدرجة الأولى أمام معمار .. أمام تكوين و بناء تنبع فيه الموسيقى من داخل الكلمات، من قلبها لا من حواشيها، من خصائص اللغة العربية و أسرارها و ظلالها و خوافيها ..
و لهذا انفردت الآية القرآنية بخاصّية عجيبة ... إنّها تحدث الخشوع في النفس بمجرّد أن تلامس الأذن و قبل أن يتأمل العقل معانيها .. لأنّها تركيب موسيقي يؤثّر في الوجدان و القلب لتوّه و من قبل أن يبدأ العقل في العمل، فإذا بدأ العقل يحلّل و يتأمّل فإنّه سوف يكتشف أشياء جديدة و سوف يزداد خشوعا .. و لكنّها مرحلة ثانية .. قد تحدث و قد لا تحدث و قد تكشف لك الآية عن سرّها و قد لا تكشفه ... و قد تؤتى البصيرة التي تفسّر بها معاني القرآن و قد
[١] الحاقة: ٦- ٧.
[٢] يوسف: ٢.
[٣] طه: ٥.