التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٨ - مذهب الشريف المرتضى
الى هنا يتّحد كلام القطب مع كلام الشيخ في تأييد مذهب الصرفة، و يتعرّض القطب لسائر الوجوه التي قيل بها في باب الإعجاز، و أخذ يناقشها .. و أخيرا يعرّج الى القول بالصرفة ثانيا و يأخذ في تأييده بما ليس في كلام الشيخ.
قال: ثم لنذكر وجها آخر للصرفة، و هو أنّ الأمر لو كان بخلافه، و كان تعذّر المعارضة المبتغاة و العدول عنها لعلمهم بفضله على سائر كلامهم في الفصاحة، و تجاوزه له في الجزالة، لوجب أن يقع منهم معارضة على كلّ حال، لأنّ العرب الذين خوطبوا بالتحدّي و التقريع، و وجّهوا بالتعنيف و التبكيت، كانوا إذا أضافوا فصاحة القرآن الى فصاحتهم، و قاسوا بكلامهم كلامه، علموا أنّ المزيّة بينهما إنّما تظهر لهم دون غيرهم ممّن نقص عن طبقتهم و نزل عن درجتهم دون الناس جميعا ممّن لا يعرف الفصاحة و لا يأنس بالعربيّة، و كان ما عليه دون المعرفة لفصيح الكلام من أهل زماننا ممّن خفي الفرق عليهم بين مواضع من القرآن و بين فقرات العرب البديعة و كلمهم الغريبة، فأيّ شيء أقعد بهم عن أن يعتمدوا الى بعض أشعارهم الفصيحة، و ألفاظهم المنثورة، فيقابلوه، و يدّعوا أنّه مماثل لفصاحته أو أزيد عليها، لا سيّما و أكثر من يذهب الى هذه الطريقة يدّعي أنّ التحدّي وقع بالفصاحة دون النظم و غيره من المعاني المدّعاة في هذا الموضع.
قال: فسواء حصلت المعارضة بمنظوم الكلام أو بمنثوره، فمن هذا الذي كان يكون الحكم في هذه الدعوى، و جماعة الفصحاء أو جمهورهم كانوا حرب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و من أهل الخلاف عليه، لا سيّما في بدو الأمر و قبل أوان استقرار الحجّة و ظهور الدعوة؟
و لا نعمد إلّا على أنّ هذه الدعوى لو حصلت، لردّها بالتكذيب من كان في حرب النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) من الفصحاء، لكن كان اللبس يحصل و الشبهة تقع لكلّ من ليس من أهل المعرفة. و كان لطوائف الناس من الفرس و الروم و الترك و من ماثلهم ممّن لا حظّ لهم في العربية ما يتأكّد الشبهة و تعظم المحنة