التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٤ - اختيار أبي عثمان الجاحظ
و الأعجوبة في القرآن ما فيه من الإخبار عن الغيوب. فأمّا التأليف و النظم فقد كان يجوز أن يقدر عليه العباد، لو لا أنّ اللّه منعهم بمنع و عجز أحدثهما فيهم[١].
و أمّا عبد الكريم الشهرستاني فقد خلط بين المعنى الأوّل و الأخير، قال:
التاسعة: قوله في إعجاز القرآن، أنّه من حيث الإخبار عن الأمور الماضية و الآتية، و من جهة صرف الدواعي عن المعارضة، و منع العرب عن الاهتمام به جبرا و تعجيزا. حتى لو خلّاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة و فصاحة و نظما ..[٢] غير أنّ الأرجح في النظر هو ما ذكره القاضي عضد الإيجي و السيّد شريف الجرجاني، في تفسير مذهبه، فقد فصلا رأيه عن رأي الشريف المرتضى القائل بسلب العلوم، و التفصيل قاطع للشركة- على ما قيل-.
و يتأيّد هذا المعنى أيضا بما جاء في عرض كلام تلميذه المتأثّر برأيه أبي عثمان الجاحظ، قال: «و رفع اللّه من أوهام العرب و صرف نفوسهم عن المعارضة للقرآن ...».[٣] و سننقل كلامه:
اختيار أبي عثمان الجاحظ
[٤] يرى الجاحظ في الإعجاز ما يراه أهل العربيّة، و هو أنّ القرآن في الدرجة العليا من البلاغة التي لم يعهد مثلها. و قد تقدّم بعض كلامه في ذلك[٥].
قال الرافعي: غير أنّ الرجل كثير الاضطراب، فإنّ هؤلاء المتكلّمين كانوا في عصرهم في منخل ... و لذلك لم يسلم هو أيضا من القول بالصرفة، و إن كان
[١] مقالات الإسلاميّين: ج ١ ص ٢٩٦.
[٢] الملل و النحل: ج ١ ص ٥٦- ٥٧.
[٣] كتاب الحيوان: ج ٤ ص ٣١.
[٤] هو الكاتب أبو عثمان عمرو بن بحر. كان من غلمان النظّام، و تعلّم عليه، توفي سنة ٢٥٥.
[٥] عند الكلام عن مفهوم الإعجاز.