التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٢ - ٨ - كلام الشيخ الطوسي
و أقوى الأقوال عندي قول من قال: إنّما كان معجزا خارقا للعادة لاختصاصه بالفصاحة المفرطة في هذا النظم المخصوص، دون الفصاحة بانفرادها، و دون النظم بانفراده، و دون الصرفة.
و إن كنت نصرت في شرح الجمل[١] القول بالصرفة، على ما كان يذهب إليه المرتضى (رحمه اللّه) من حيث شرحت كتابه، فلم يحسن خلاف مذهبه.
قال: و الذي يدلّ على ما قلناه و اخترناه: أنّ التحدّي معروف بين العرب بعضهم بعضا، و يعتبرون في التحدّي معارضة الكلام بمثله في نظمه و وصفه، لأنّهم لا يعارضون الخطب بالشعر و لا الشعر بالخطب، و الشعر لا يعارضه أيضا إلّا بما كان يوافقه في الوزن و الرويّ و القافية، فلا يعارضون الطويل بالرجز، و لا الرجز بالكامل، و لا السريع بالمتقارب، و إنّما يعارضون جميع أوصافه.
فإذا كان كذلك، فقد ثبت أنّ القرآن جمع الفصاحة المفرطة و النظم الذي ليس في كلام العرب مثله، فإذا عجزوا عن معارضته، فيجب أن يكون الاعتبار بهما.
فأمّا الذي يدلّ على اختصاصها بالفصاحة المفرطة، فهو أنّ كل عاقل عرف شيئا من الفصاحة يعلم ذلك، و إنّما في القرآن من الفصاحة ما يزيد على كلّ فصيح، و كيف لا يكون كذلك و قد وجدنا الطبقة الأوّلة قد شهدوا بذلك و طربوا له، كالوليد بن المغيرة و الأعشى الكبير و كعب بن زهير و لبيد بن ربيعة و النابغة الجعدي، و دخل كثير منهم في الإسلام ككعب و النابغة و لبيد، و همّ الأعشى بالدخول في الإسلام فمنعه من ذلك أبو جهل و فزّعه، و قال: إنّه يحرّم عليك الأطيبين الزنا و الخمر. فقال له: أمّا الزنا فلا حاجة لي فيه، لأنّي كبرت، و أمّا الخمر فلا صبر لي عنه، و انظر فأتته المنيّة و اخترم دون الإسلام.
[١] في كتابه( تمهيد الأصول) شرحا على القسم النظريّ من جمل العلم و العمل، و قد طبع أخيرا( ١٣٦٢ ه. ش) في جامعة طهران، و سننقل كلامه عند التعرض للقول بالصرفة.