التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٢ - مذهب الشريف المرتضى
و قال- في موضع آخر-: و الصحيح أنّ وجه الإعجاز في القرآن هو صرف العرب عن معارضته، و أنّ فصاحته قد كانت في مقدورهم لو لا الصرف. و هذا هو المذهب الذي يعوّل عليه أهل هذه الصنعة و أرباب هذا العلم. و قد سطّر عليه من الأدلّة ما ليس هذا موضع ذكره[١].
مذهب الشريف المرتضى:
المعروف من مذهب الشريف المرتضى (المتوفي سنة ٤٣٦) في الإعجاز هو القول بالصرفة، نسبه إليه كلّ من كتب في هذا الشأن، قولا واحدا. و كذا شيخه أبو عبد اللّه المفيد (المتوفي سنة ٤١٣) في أحد قوليه[٢]. و تلميذه أبو جعفر الطوسي (المتوفي سنة ٤٦٠) في كتابه (تمهيد الأصول) الذي وضعه شرحا على القسم النظري من رسالة (جمل العلم و العمل) تصنيف المرتضى. لكنه رجع
[١] سرّ الفصاحة: ص ٢١٧.
[٢] قال بذلك في كتابه( أوائل المقالات: ص ٣١) جاء فيه:« أنّ جهة ذلك هو الصرف من اللّه تعالى لأهل الفصاحة و اللسان عن معارضة النبيّ بمثله في النظام عند تحدّيه لهم. و جعل انصرافهم عن الإتيان بمثله، و إن كان في مقدورهم، دليلا على نبوّته( صلى اللّه عليه و آله) و اللطف من اللّه تعالى مستمرّ في الصرف عنه الى آخر الزمان. و هذا من اوضح برهان في الإعجاز و أعجب بيان. و هو مذهب النظّام، و خالف فيه جمهور أهل الاعتزال».
غير أنّ المعروف عنه في كتب الإمامية هو مواكبته مع جمهور العلماء. قال المجلسي( في البحار: ج ١٧ ص ٢٢٤)- في باب اعجاز ام المعجزات القرآن الكريم-:« و أمّا وجه إعجازه فالجمهور من العامّة و الخاصّة و منهم الشيخ المفيد( قدّس اللّه روحه) على أنّ إعجاز القرآن بكونه في الطبقة العليا من الفصاحة، و الدرجة القصوى من البلاغة. هذا مع اشتماله على الإخبار عن المغيّبات الماضية و الآتية، و على دقائق العلوم الإلهية، و أحوال المبدأ و المعاد، و مكارم الأخلاق، و الإرشاد الى فنون الحكمة العلميّة و العمليّة، و المصالح الدينيّة و الدنيويّة، على ما يظهر للمتدبّرين».
و هكذا ذكر عنه القطب الراوندي( في الخرائج و الجرائح: ص ٢٦٩)، قال- بعد أن جعل الوجه الأوّل- و هو القول بالصرفة- قولا للسيد المرتضى-:« و الثاني: ما ذهب إليه الشيخ المفيد، و هو أنّه كان معجزا من حيث اختص برتبة في الفصاحة خارقة للعادة ...».