التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤ - المقدمة
هذا الوليد بن المغيرة المخزومي- كبير قريش و رائدهم و قائدهم- استأمروه بشأن هذا الكلام الذي جاء به نبيّ الإسلام (صلى اللّه عليه و آله) فلم يستطع سوى الاعتراف بأنّه فوق مقدور البشر: «فو اللّه ما هو بشعر و لا بسحر و لا بهذي جنون، و إنّ قوله من كلام اللّه ...»[١]، و هو القائل: «و و اللّه إنّ لقوله الذي يقول لحلاوة، و إنّ عليه لطلاوة، و إنّه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله. و إنّه ليعلو و ما يعلى»[٢]. و هذا إنذار من رأس الكفر بأن الغلب سوف يكون مع القرآن! و قد حاولوا الممانعة دون صيته و الحئول دون شياعه، و قالوا: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ[٣]. و كانوا يستغشون ثيابهم و يضعون أصابعهم في آذانهم خشية سماعه، أو يحشون مسامع الوفود بالخرق و الكراسف لئلّا يستمعوا الى حديثه، لما ذا؟ إنّهم أدركوا هيمنته و لمسوا من واقعه الناصع، فهابوه و خافوا سطوته، فقد أعجزتهم مقابلته بالكلام و ألجأتهم أخيرا الى ركوب الصعب من مطايا الحتوف بمقارعة الأسنّة و السيوف. لكن وَ يُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ[٤].
و الآية الأغرب، و المعجزة الأعجب، ذلك حكمه الباتّ على أنهم لن يأتوا بمثله وَ لَنْ تَفْعَلُوا أبدا. إنّه إعجاز في صراحة و جرأة يفوق سائر الإعجاز، و إخبار عن غيب محتّم، لا يصدر إلّا عن علّام الغيوب، و لا يجرأ على النطق به أحد من البشر مهما اوتي من علم و قدرة و هيمنة.
بل و حكمه العام الشامل لكافّة طبقات الامم عبر الخلود، لا يستطيعون جميعا أن يأتوا بمثله وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً[٥].
[١] تفسير الطبري: ج ٢٩ ص ٩٨.
[٢] مستدرك الحاكم: ج ٢ ص ٥٠.
[٣] فصّلت: ٢٦.
[٤] يونس: ٨٢.
[٥] الاسراء: ٨٨.