التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩ - الإعجاز في مفهومه
وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ، وَ إِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ. أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ[١] و دعاهم ليلا و نهارا مع كونهم أولي بسطة في البيان إلى معارضته، بنحو قوله وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ. وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ[٢] و في موضع آخر:
وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ[٣] و قال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً[٤].
فجعل عجزهم علما للرسالة، فلو قدروا ما أقصروا، إذ قد بذلوا أرواحهم في إطفاء نوره و توهين أمره، فلما رأيناهم تارة يقولون: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ[٥] و تارة يقولون: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا[٦]، و تارة يصفونه بأنه أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ[٧] و تارة يقولون لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً[٨] و تارة يقولون: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ[٩] كل ذلك عجزا عن الإتيان بمثله، علمنا قصورهم عنه، و محال أن يقال: إنه عورض فلم ينقل فالنفوس مهتزّة لنقل ما دقّ و جلّ. و قد رأينا كتبا كثيرة صنّفت في الطعن على الإسلام قد نقلت و تدوولت[١٠].
و يمتاز القرآن على سائر المعاجز بأنّه يضمّ إلى جانب كونه معجزا جانب كونه كتاب تشريع، فقد قرن التشريع بإعجاز و وحّد بينهما، فكانت دعوة يرافقها شهادة من ذاتها، دلّ على ذاته بذاته.
قال العلامة ابن خلدون: اعلم أنّ أعظم المعجزات و أشرفها و أوضحها
[١] العنكبوت: ٥٠- ٥١.
[٢] البقرة: ٢٣.
[٣] يونس: ٣٨.
[٤] الاسراء: ٨٨.
[٥] فصلت: ٢٦.
[٦] الأنفال: ٣١.
[٧] النحل: ٢٤.
[٨] الفرقان: ٣٢.
[٩] يونس: ١٥.
[١٠] عن مقدمته على التفسير: ص ١٠٢- ١٠٤.