التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠ - الإعجاز في مفهومه
دلالة القرآن الكريم المنزل على نبيّنا محمد (صلى اللّه عليه و آله) .. فإن الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبيّ و يأتي بالمعجزة شاهدة بصدقه، و القرآن هو بنفسه الوحي المدّعى، و هو الخارق المعجز فشاهده في عينه و لا يفتقر الى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي، فهو أوضح دلالة، لاتّحاد الدليل و المدلول فيه.
قال: و هذا معنى
قوله (صلى اللّه عليه و آله): «ما من نبيّ من الأنبياء إلّا و أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، و إنّما كان الذي أوتيته و حيا أوحي اليّ، فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة»
. يشير إلى أن المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح و قوّة الدلالة، و هو كونها نفس الوحي، كان الصدق لها أكثر لوضوحها، فكثر المصدّق المؤمن و هم التابع و الأمة[١].
و قال الجاحظ: بعث اللّه محمدا (صلى اللّه عليه و آله) أكثر ما كانت العرب شاعرا و خطيبا، و أحكم ما كانت لغة، و أشدّ ما كانت عدة، فدعا أقصاها و أدناها إلى توحيد اللّه و تصديق رسالته، فدعاهم بالحجّة، فلمّا قطع العذر و ازال الشبهة و صار الذي يمنعهم من الإقرار، الهوى و الحميّة دون الجهل و الحيرة، حملهم على حظهم بالسيف، فنصب لهم الحرب و نصبوا، و قتل من عليّهم و أعلامهم و أعمامهم و بني أعمامهم، و هو في ذلك يحتجّ عليهم بالقرآن، و يدعوهم صباحا و مساء إلى أن يعارضوه إن كان كاذبا، بسورة واحدة، أو بآيات يسيرة، فكلّما ازداد تحدّيا لهم بها، و تقريعا لعجزهم عنها، تكشّف من نقصهم ما كان مستورا، و ظهر منه ما كان خفيّا، فحين لم يجدوا حيلة و لا حجّة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا. قال: فهاتوها مفتريات، فلم يرم ذلك خطيب و لا طمع فيه شاعر، و لو طمع فيه لتكلّفه، و لو تكلّفه لظهر
[١] المقدمة( السادسة): ص ٩٥.