التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٥ - ٨ - ابن الراوندي
له مجالس و مناظرات مع أرباب الأصول من أصحاب المذاهب و لا سيّما أهل الاعتزال، فإنّ له نقدا حرّا على اصول مذهبهم في المعتقدات، و من ثم رمي بالزندقة و الإلحاد.
يقال: إنّه وضع كتابه (الفرند) طعنا في الدين ذكر فيه: «أنّ المسلمين احتجّوا لنبوّة نبيّهم بالقرآن الذي تحدّى به النبيّ فلم تقدر العرب على المعارضة. فيقال لهم: أخبرونا لو ادّعى مدّع لمن تقدّم من الفلاسفة مثل دعواكم في القرآن، فقال: الدليل على صدق بطلميوس أو اقليدس، أنّ اقليدس ادّعى أنّ الخلق يعجزون عن أن يأتوا بمثل كتابه، أ كانت نبوّته تثبت؟»[١].
لكن يظهر من مناظراته مع أرباب الجدل، أنّ كلماته مثل هذه، إنّما قالها جدلا و إفحاما لدليل الخصم، لا لعقيدة الخلاف واقعا، انظر الى ما نقله صاحب كتاب (معاهد التخصيص) عن مناظرة وقعت بينه و بين أبي علي الجبائي (رئيس المعتزلة في وقته)، قال له ابن الراوندي: أ لا تسمع شيئا من معارضتي للقرآن؟ قال الجبائي: أنا أعلم بمخازي علومك، و لكن احاكمك الى نفسك، فهل تجد في معارضتك له عذوبة و هشاشة و تشاكلا و تلاؤما، و نظما كنظمه، و حلاوة كحلاوته؟ قال: لا و اللّه. قال: قد كفيتني. فانصرف حيث شئت.
قال الرافعي: أمّا ما قيل من معارضته للقرآن فلم يعلم منها شيء سوى هذه المناظرة[٢].
قلت: على فرض صحّتها، فهي صريحة في عقيدته بكبرياء القرآن و عظمته الخارقة، و من ثمّ فهي على العكس أدلّ، و أنّه إنّما جارى الخصوم في أنّه هل يمكن المعارضة أم لا؟
[١] تأريخ أبي الفداء( المختصر في أخبار البشر): ج ٢ ص ٦١.
[٢] الإعجاز: ص ١٨٣ بالهامش.