التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٢ - مذهب الشريف المرتضى
لأنّه يقال: إنّه توجّه ليسلم فمنعه أبو جهل و خدعه و قال: إنّه يحرّم عليكم الأطيبين الزنا و شرب الخمر، و صدّه عن ذلك، فلولا أنّه بهرهم فصاحته و إلّا لم ينقادوا له.
قلنا: جميع ما شهد به الفصحاء من فصاحة القرآن فواقع موقعه، لأنّ من قال بالصرفة لا ينكر مزيّة القرآن على غيره بالفصاحة و البلاغة، و إنّما يقول:
هذه المزيّة ليست ممّا تخرق العادة و يبلغ حدّ الإعجاز، فليس في طرب الفصحاء و شهادتهم بفصاحة القرآن و فرط براعته ما يوجب بطلان القول بالصرفة، و أمّا دخولهم في الإسلام فلأمر بهرهم و أعجزهم، و أيّ شيء أبلغ في ذلك من تعذّر المعارضة متى راموها مع تسهّل الكلام الفصيح عليهم إذا لم يعارضوا. فأمّا معارضة مسيلمة فمن أدلّ دليل على القول بالصرفة لأنّه لو لم يكن صحيحا لعارض الفصحاء كما عارض و أوردوا مثل ما أورده ...»[١].
و بعد ذلك أخذ في الردّ على سائر الوجوه التي قيل في وجه الإعجاز، قال:
«و أمّا من قال: إنّ القرآن نظمه و تأليفه مستحيلان كخلق الجواهر و الألوان» فقوله باطل لأنّ الحروف كلّها من مقدورنا و الكلام يتركّب من الحروف التي يقدر عليها كلّ متكلّم. فأمّا التأليف فإطلاقه مجاز في القرآن لأنّ حقيقته في الأجسام، و إنّما يراد في القرآن حدوث بعضه في أثر بعض، فإن أريد ذلك فذلك إنّما يتعذّر لفقد العلم بالفصاحة و كيفيّة إيقاع الحروف، لا أنّ ذلك مستحيل، كما أنّ الشعر يتعذّر على المفحم لعدم علمه بذلك، لا أنّه مستحيل منه من حيث القدرة. و متى أريد باستحالة ذلك ما يرجع الى فقد العلم فذلك خطأ في العبارة دون المعنى.
فأمّا من قال: جهة إعجاز القرآن النظم دون الفصاحة، فقد بيّنا أن ذلك لا يقع فيه التفاضل، و في ذلك كفاية، لأنّ السبق الى ذلك لا بدّ أن يقع فيه
[١] تمهيد الأصول الذي وضعه شرحا على القسم النظري من جمل العلم و العمل: ص ٣٣٤- ٣٣٨.