التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧ - التحدي بفضيلة الكلام
يقتضي كذا .. و أيّما حال يقتضي خلافه ... الخ[١].
و عليه فتزداد قوّة الكلام و صلابته و كذا روعة البيان و صولته، كلّما ازدادت العناية بجوانبه اللفظية و المعنويّة من الاعتبارات المناسبة، و رعاية مقتضيات الأحوال و الاوضاع، و ملاحظة مستدعيات المقامات المتفاوتة، على ما فصّله القوم. و قلّ من يتوفّق لذلك بالنحو الأتمّ أو الأفضل، بل الأكثر، ما دام الإنسان حليف النسيان. أمّا بلوغ الأقصى و الكمال الأوفى، الذي حدّ الإعجاز، فهو خاصّ بذي الجلال المحيط بكلّ الأحوال.
و في ذلك يقول السكّاكي: «البلاغة تتزايد الى أن تبلغ حدّ الإعجاز، و هو الطرف الأعلى و ما يقرب منه»[٢]. و منه أخذ الخطيب القزويني: «و للبلاغة في الكلام طرفان، أعلى و هو حدّ الاعجاز و ما يقرب منه، و أسفل و هو ما إذا غيّر الكلام الى ما دونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات»[٣].
إذن فالطرف الأعلى و ما يقرب منه، كلاهما حدّ الإعجاز، على ما حدّده السّكاكي، و بذلك يكون اختلاف مراتب آيات القرآن في الفصاحة و البيان، كلّه داخلا في حدّ الإعجاز الذي لا يبلغه البشر. و هذا هو الصحيح، على ما سنبيّن.
و بعد، فالمتلخّص من هذا البيان: أن التفاضل بين كلامين أو التماثل بينهما إنّما يتحقّق بهذه الاعتبارات- التي هي مقاييس لدرجة فضيلة الكلام- و هي من قبيل المعنى أكثر من كونها من قبيل اللفظ، فليس المقصود بالتحدّي، المعارضة في التشاكل اللفظي و التماثل في صورة الكلام فحسب، كما حسبه مسيلمة الكذّاب و من حذا حذوه من أغنياء القوم.
[١] مفتاح العلوم: ص ٨٠- ٨١ و ص ٨٤.
[٢] مفتاح العلوم: ص ١٩٦- ١٩٩.
[٣] المطول للتفتازاني: ص ٣١( ط استنبول).