التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٦ - ١٠ - كلام الزملكاني
حالهم دونه، فإنّ من يضع يده على رأسه دون سائر الحاضرين يحبس اللّه أيديهم لا يعجب منه بل من حالهم. و لكان ينبغي أن يعارضوه بما قبل صرفهم عنه من كلامهم الفصيح، و لأنّ سلب قدرهم يجريهم مجرى الموتى فلا يجدي اجتماعهم قوّة و ظهورا على المعارضة، و هو مخالف لقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ[١] و أمّا قصّة زكريّا فحجّة له فيما نحن بصدده، إذ الآية كانت في سلبه النطق لا في نطق غيره ...
و إذا ثبت كونه معجزا تعيّن أن يكشف عن جهة الإعجاز إذا لا يصحّ التحدّي بشيء مع جهل المخاطب بالجهة التي وقع بها التحدّي. و لو كان كذلك لأمكن كلّ أحد أن يتحدّى.
قال: فإذن إعجازه إمّا من جهة ذوات الكلم، أو عوارضه من الحركات، أو مدلوله، أو المجموع أو التأليف أو أمر خارج عن ذلك. و الأوّل و الثاني باطلان، إذ صغير العرب يمكنه ذلك. و أمّا المدلول فليس صنيع البشر و لا يقدرون على إظهار المعاني من غير ما يدل عليه. و أمّا المجموع فالكلام عليه كالكلام على ما سبق. و أمّا الخارجي فباطل إلّا على رأي النظّام، و قد عرف ..
قال: فتعيّن أن يكون الإعجاز نشأ من جهة التأليف الخاصّ به لا مطلق التأليف، و ذلك بأن اعتدلت مفرداته تركيبا و زنة و علت مركّباته معنى. و هذا القسم الذي عقد له علم البيان، و من ثمّ سلك من رسخ قدمه في الحماقة التأليف عند قصد المماثلة، من ذلك ما حكي عن مسيلمة أنّه قال: «الفيل ما الفيل، و ما ادراك ما الفيل، له ذنب وثيل و خرطوم طويل». و حكي أنّ اعرابيا حضر صلاة جماعة فقدّم فقرأ في الاولى- بعد الفاتحة-: ألا يا مهلك الفيل، و من سار مع الفيل، و كيد القوم في تبّ و تضليل، بطير صبّه اللّه على الفيل أبابيل، ضحى من طين سجّيل، فصار القوم في قاع كعصف ثم مأكول. و قرأ في
[١] الإسراء: ٨٨.