التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٧ - الفصل الثالث في بيان الوجه في إعجاز القرآن
الى مطابقة الكلام و حسن تأليفه، و هذه كلّها مقدورة لنا، و لهذا بطل أن يكون الإعجاز حاصلا بها، فإذن لا بدّ من أن يكون وجه الإعجاز متعلّقا بقدرة اللّه تعالى، لأنّه هو المتولّي لصدق أنبيائه، فكلّ ما كان من المعجزات لا يقدر كونه من جهته، فإنّه لا يكون فيه دلالة على صدق من ظهر عليه، و إنّما قلنا: إنّ فيه دلالة على الصدق، و هذا ظاهر لا يمكن إنكاره، فإنّ القرآن من أبهر الأدلة على صدق صاحب الشريعة (صلوات اللّه عليه)، فلو كان وجه إعجازه هو الفصاحة لم يكن فيه دلالة على الصدق، لأنّ الفصاحة و البلاغة المرجع بهما الى انتظام الكلام على وجه مخصوص لا مزيد عليه، و ما من وجه من وجوه النظم إلا و هو مقدور للعباد بكلّ حال، و هذا يبطل كونه دالّا على صدقه، و قد تقرّر كونه دليلا على الصدق، فبطل كون إعجازه هو الفصاحة.
و جوابه أنّا قد قرّرنا أنّ الوجه في إعجازه هو الفصاحة و البلاغة مع النظم بما لا مطمع في إعادته.
قوله لو كانت الفصاحة وجها في إعجازه لما كان له دلالة على الصدق، قلنا:
هذا فاسد فإنّ النظم و إن كان مقدورا لنا، لكنّه قد يقع على وجه لا يمكن كونه مقدورا لنا، و لهذا فإنّ العلم مقدور لنا، و الفعل من جنس العلوم، و قد استحال كونها مقدورة للعباد، لما كانت واقعة على وجه يستحيل وقوعه في حق العباد، فإنّ جنس الحركة مقدور لنا، و حركة المرتعش و إن كانت من جنس الحركة، لكنّها لمّا وقعت على وجه يتعذّر على العباد جاز الاستدلال بها على اللّه تعالى، فهكذا حال البلاغة، فإنّها و إن كانت من قبيل النظم و التأليف. و هو مقدور لنا، لكنّه لمّا وقع على وجه يتعذّر تحصيله من جهتنا، كان دليلا على الصدق من هذه الجهة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن القرآن دالّ على صدق من ظهر على يده، و ما ذاك إلّا لكونه مختصا بالوقوع من جهة اللّه تعالى مع كون جنسه من مقدور العباد، و فيه دلالة على صدقه كما يقوله في سائر المعجزات الدالة على صدقه، و إن لم يكن لها تعلق بمقدور العباد، كإطعام الخلق الكثير، من الطعام