التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٦ - الفصل الثالث في بيان الوجه في إعجاز القرآن
ما تنقص رتبته عن ذلك، و ليس معجزا، و على هذا يكون المعجز إنّما كان من جهة عدم العلم باحكام تأليف هذه الكلمات، فقد ملكوا القدرة على آحادها، و ملكوا القدرة على نوع من تأليفها ممّا لم يكن معجزا، فأمّا ما كان معجزا من التأليف فلم يكونوا مالكين له، فحصل من مجموع ما ذكرناه، أنّ الإعجاز ليس إلّا تأليف هذه الكلمات على حدّ لا غاية فوقه، فإلى هذا يرجع الخلاف، و يحصل التحقّق بأنّ عجزهم إنّما كان من جهة عدم العلم بهذا التأليف المخصوص في الكلام، لا يقال فحاصل هذا الجواب أنّ اللّه تعالى لم يخلق فيهم العلم بإحكام التأليف الذي يحتاج إليه في كون الكلام معجزا، و هذا قول بمقالة أهل الصّرفة، فإنّ حاصل مذهبهم هو أنّ اللّه تعالى سلبهم الداعي الى معارضة القرآن، و أعدم عنهم العلوم التي لأجلها يقدرون على المعارضة، و أنتم قد زيفتم هذه المقالة و أبطلتموها، فقد وقعتم فيما فررتم منه، لأنّا نقول هذا فاسد فإنّا نقول إنّهم عادمون لهذه العلوم قبل المعجز و بعده، و أنّها غير حاصلة لهم في وقت من الأوقات فلهذا استحال منهم معارضة القرآن كمّا قرّرناه من قبل، بخلاف مقالة أهل الصّرفة فإنّ عندهم أنّ علوم التأليف كانت حاصلة معهم قبل ظهور المعجز، لكن اللّه تعالى سلبهم إيّاهم كما مرّ تقريره، فلهذا كان ما ذكرناه مخالفا لما قالوه.
السؤال الثاني: لو كانت الفصاحة هي الوجه في كون القرآن معجزا لما كان فيه دلالة على صدق الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و قد تقرّر كونه دالّا على صدقه، فيجب أن لا يكون الوجه في إعجازه هي الفصاحة، بل الصّرفة كما تقول أصحابها، أو وجه آخر غير الفصاحة، و إنّما قلنا: انّه لو كان الوجه في إعجازه الفصاحة لما كان فيه دلالة على الصدق، فلأنّ الدلالة على الصدق إنّما تقع إذا كانت موجودة من جهة اللّه تعالى إلّا أنّه تعالى ليس فاعلا للفصاحة من جهة أنّ الفصاحة المرجع بها الى خلوص الكلام من التعقيد، و البلاغة ترجع