التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٥ - الفصل الثالث في بيان الوجه في إعجاز القرآن
المتمادية، أنّ أحدا تحدّى أحدا منهم برقّة شعره، و لا باشتماله على امور محجوبة، و لا بعدم التناقض فيها، و في هذا دلالة كافية على أنّ تعويلهم في التحدّي إنّما هو على ما ذكرناه، فيجب حمل القرآن في الآيات المطلقة عليه، و في ذلك حصول ما أردناه، و تمام تقرير هذه الدلالة بإيراد الأسئلة عليها و الانفصال عنها.
السؤال الأول منها: قد زعمتم أنّ وجه إعجاز القرآن إنّما هو الفصاحة، و البلاغة، و النظم، و حاصل هذه الامور كلّها، إمّا أن تكون راجعة الى مفردات الكلم، أو تكون راجعة الى مركباتها، و لا شك أنّ العرب قادرون على المفردات لا محالة، و لا شك أنّ كلّ من قدر على المفردات فهو قادر على مركّباتها، فلو كان كما ذكرتموه لكان العرب قادرين على المعارضة، و هذا يدلّ على أنّ وجه إعجازه ليس أمرا راجعا الى البلاغة، و الفصاحة، و النظم، و هذا هو المطلوب.
و جوابه إنّما يكون بعد تمهيد قاعدة و هو أنّ التفاوت بين الكتابين في الجودة و الكتابة إنّما يكون من جهة العلم بإحكام التأليف بين الحروف و تنزيلها على أحسن هيئة في الإيقاع، فمن كان منهما أجود علما بأحكام التأليف كانت كتابته أعجب، و من كان عادما للعلم بما ذكرناه نقص إتقان كتابته، فكلّ واحد منهما قد أحرز ما تحتاج إليه الكتابة من الآلات كالقلم، و الدّواة، و القرطاس، و اليد، و غير ذلك ممّا يكون شرطا في الكتابة، و لم يتميّز أحدهما عن الآخر إلّا بما ذكرناه من العلم بإحكام التأليف، و هكذا حال أهل الحرف و الصناعات، فإنّهم كلّهم متمكّنون من أصول الصناعات و ما تحتاج إليها، كالصناعة للذّهبيّات و الفضيّات، و الحياكة للديباج، فإنّ تفاوتهم إنّما يظهر في ما ذكرناه لا غير، فإذا عرفت هذا فالعرب لا محالة قادرون على مفردات هذه الكلم الموضوعة، و قادرون على حسن التأليف لهذه الكلمات، لكنّهم غير قادرين على كلّ تأليف، فإنّ من التآليف ما لا زيادة عليه في الإعجاب، و هو المعجز، و منه