التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٤ - الفصل الثالث في بيان الوجه في إعجاز القرآن
ضربوا فيها بالنصيب الوافر، و اختصّوا بالقدح المعلّى و السّهم القامر، فإنّهم عوّلوا في ذلك على خواصّ ثلاثة هي الوجه في الإعجاز.
الخاصّة الأولى: الفصاحة في ألفاظه على معنى أنّها بريئة عن التعقيد، و الثّقل، خفيفة على الألسنة تجري عليها كأنّها السلسال، رقّة و صفاء و عذوبة و حلاوة.
الخاصة الثانية: البلاغة في المعاني بالإضافة الى مضرب كل مثل، و مساق كلّ قصّة، و خبر، و في الأوامر و النواهي، و أنواع الوعيد، و محاسن المواعظ، و غير ذلك ممّا اشتملت عليه العلوم القرآنيّة، فإنّها مسوقة على أبلغ سياق.
الخاصّة الثالثة: جودة النظم و حسن السياق، فإنّك تراه فيما ذكرناه من هذه العلوم منظوما على أتمّ نظام و أحسنه و أكمله، فهذه هي الوجه في الإعجاز، و البرهان على ما ادّعيناه من ذلك هو أنّ الآيات التي يذكر فيها التحدّي واردة على جهة الإطلاق ليس فيها تحدّ بجهة دون جهة، لأنّه لم يذكر فيها أنّه تحدّاهم، لا بالبلاغة، و لا بالفصاحة، و لا بجودة النظم و السياق، و لا بكونه مشتملا على الأمور الغيبيّة، و لا لاشتماله على الأسرار و الدقائق، و تضمّنه المحاسن و العجائب، و لا أشار الى شيء خاص يكون مقصدا للتحدّي، و إنّما قال: بمثله، و بسورة، و بعشر سور على الإطلاق، ثم إنّ العرب أيضا ما استفهموه عمّا يريد بتحدّيهم في ذلك، و لا قالوا ما هو المطلوب في تحدّينا، بل سكتوا عن ذلك، فوجب أن يكون سكوتهم عن ذلك لا وجه له الّا لما قد علم من اطراد العادات المقرّرة بين أظهرهم أنّ الأمر في ذلك معلوم أنّه لا يقع إلّا بما ذكرناه من البلاغة و الفصاحة و جودة السياق و النظم، فإنّ المعلوم من حال الشعراء و الخطباء، و أهل الرسائل و الكلام المواقع في الأندية المشهودة، و المحافل المجتمعة، أنّهم إذا تحدّى بعضهم بعضا في شعر، أو خطبة، أو رسالة، فإنّه لا يتحدّاه إلّا بمجموع ما ذكرناه من هذه الأمور الثلاثة و لم يعهد قطّ في الأزمنة الماضية و الآماد