التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٢ - الفصل الثالث في بيان الوجه في إعجاز القرآن
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ[١]، قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ[٢] صريحة في إثبات الوحدانيّة للّه تعالى بظاهرها و صريحها، و ما عدا ذلك من المعاني لا يخلو حاله، إمّا أن يستقلّ العقل بدركه أو لا يستقلّ بدركه، فإن استقلّ بدركه فقد أحاط به كغيره من سائر الكلام، فلا تفرقة بينه و بين غيره، و إن كان لا يستقل العقل بدركه، فذلك هو الامور الغيبيّة، و هي باطلة بما أسلفناه على من قال بها، فحصل من مجموع ما ذكرناه هاهنا أنّه لا وجه لجعل دلالته على الأسرار و المعاني وجها في إعجازه لأنّ غيره مشارك له في هذه الخصلة، و ما وقعت فيه الشركة فلا وجه لاختصاصه و جعله وجها في كونه، معجزا.
المذهب السابع: قول من زعم أنّ الوجه في إعجازه هو البلاغة، و فسّر البلاغة باشتماله على وجوه الاستعارة، و التشبيه، و الفصل، و الوصل، و التقديم، و التأخير، و الإضمار، و الإظهار، الى غير ذلك، و هؤلاء إن أرادوا بما ذكروه أنّه صار فصيحا بالإضافة الى ألفاظه، و بليغا بالإضافة الى معانيه، و مختصّا بالنظم الباهر، فهذا جيّد لا غبار عليه كما سنوضّحه عند ذكر المختار، و إن أرادوا أنّه بليغ بالإضافة الى معانيه دون ألفاظه، فهو خطأ، فإنّه صار معجزا باعتبار ألفاظه و معانيه جميعا، و غالب ظني أنّ هذا المذهب يحكى عن أبي عيسى الرماني.
المذهب الثامن: قول من زعم أنّ الوجه في إعجازه هو النّظم، و أراد أنّ نظمه و تأليفه هو الوجه الذي تميّز به من بين سائر الكلام فهؤلاء أيضا يقال لهم ما تريدون باختصاصه بالنظم، فإن عنيتم به أنّ نظمه هو المعجز من غير أن يكون بليغا في معانيه، و لا فصيحا في ألفاظه، فهو خطأ، فإنّ الإعجاز شامل له بالإضافة الى كلا الأمرين جميعا، و إن عنيتم أنّه مختصّ بالبلاغة و الفصاحة خلا أنّ اختصاصه بالنظم أعجب و أدخل، فلهذا كان الوجه في إعجازه فهذا
[١] محمد: ١٩.
[٢] الإخلاص: ١.