التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٨ - ٩ - كلام القطب الراوندي
قال: و استدل المرتضى (رحمه اللّه) على أنّه تعالى صرفهم عن المعارضة، و أنّ العدول عنها، كان لهذا، لا لأنّ فصاحة القرآن خرقت عادتهم، بأنّ الفضل بين الشيئين إذا كثر، لم تقف المعرفة بحالها على ذوي القرائح الذكيّة، بل يغني ظهور أمريهما عن الرؤية بينهما، و هذا كما لا يحتاج الى الفرق بين الخزّ و الصوف الى أحذق البزّازين، و إنّما يحتاج الى التأمّل، الشديد التقارب الذي يشكل مثله.
و نحن نعلم إنّا على مبلغ علمنا بالفصاحة، نفرّق بين شعر امرئ القيس و شعر غيره من المحدثين، و لا نحتاج في هذا الفرق الى الرجوع إلى من هو الغاية في علم الفصاحة، بل نستغني معه عن الفكرة، و ليس بين الفاضل و المفضول من اشعار هؤلاء و كلام هؤلاء قدر ما بين الممكن و المعجز، و المعتاد و الخارج عن العادة.
و إذا استقر هذا، و كان الفرق بين سور المفصل و بين أفصح قصائد العرب غير ظاهر لنا الظّهور الذي ذكرناه، و لعلّه إن كان ثمّ فرق فهو ممّا يقف عليه غيرنا و لا يبلغه علمنا، فقد دلّ على أنّ القوم صرفوا عن المعارضة و أخذوا عن طريقها.
قال: و الأشبه بالحقّ و الأقرب الى الحجّة- بعد ذلك القول- قول من جعل وجه إعجاز القرآن خروجه عن العادة في الفصاحة، فيكون ما زاد على المعتاد معجزا، كما أنّه لمّا أجرى اللّه العادة في القدرة التي يمكن بها من ضروب افعال الجوارح، كالطفو بالبحر و حمل الجبل، فإنها إذا زادت على ما تأتي العادة، كانت لاحقة بالمعجزات، كذلك القول هاهنا.
ثمّ إن هؤلاء الذين قالوا: إن جهة إعجاز القرآن الفصاحة المفرطة التي خرقت العادة صاروا صنفين:
منهم من اقتصر على ذلك و لم يعتبر النظم، و منهم من اعتبر مع الفصاحة النظم المخصوص، و قال الفريقان: إذا ثبت أنّه خارق للعادة بفصاحته، دل على نبوّته ..