التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٠ - ٩ - كلام القطب الراوندي
و أمّا القائلون بأنّ إعجازه الفصاحة قالوا: إنّ اللّه جعل معجزة كلّ نبيّ من جنس ما يتعاطاه قومه، فقد كان الغالب على قوم موسى (عليه السّلام) السحر، فكانت معجزته العصا و اليد البيضاء، فعرفوا، أنّه فوق متعاطاهم فآمنوا.
و كذلك كان الغالب في زمن عيسى (عليه السّلام) الطبّ، فأظهر اللّه على يده إحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص، ممّا لا يناله الطبّ فآمنوا به. فهكذا لمّا كان زمن محمد (صلى اللّه عليه و آله) الغالب على قومه الفصاحة و البلاغة حتى كانوا لا يتفاخرون بشيء كتفاخرهم بها، جعل اللّه معجزته من ذلك القبيل، فأظهر على يديه هذا القرآن، و علم الفصحاء منهم أنّ ذلك ليس من كلام البشر، فآمنوا به. و لهذا جاء المخصوصون فآمنوا برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كالاعشى مدح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بقصيدة و أراد أن يؤمن، فدافعه قريش و جعلوا يحدّثونه بأسوإ ما يقدرون عليه، فلم يزالوا بالسعي حتى صدّوه.
و جاء لبيد و آمن برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و ترك قيل الشعر تعظيما لأمر القرآن ..
قالوا: و من خالفنا في هذا الباب يقول: إنّ المعجز قد يلتبس بالحيلة لكنّه إذا لم يكن طريق الى الفصل بينهما، و هاهنا وجوه من الفصل، منها:
إنّ المعجز إنّما يظهر عند من يكون من أهل هذا الباب و يروّج عليهم، و الحيلة إنّما تظهر عند العوام و تروّج على الجهّال.
فإن قيل: النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) مبعوث الى العرب و العجم، فإذا كان إعجاز القرآن من حيث الفصاحة، فإنّ العجم لا يمكنهم ذلك.
قلنا: الفصاحة ليست بمقصورة على لغة دون اخرى. على أنّه يمكنهم أن يعرفوا ذلك على سبيل الجملة، إذا علموا أنّه تحدّى فصحاء العرب فأعجزهم، و في ذلك كفاية.