التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤ - التحدي في شموله
لم يخصّ جانب فصاحته فحسب، ليكون مقصورا على العهد الأوّل، حيث العرب في ازدهار الفصاحة و الأدب. على أنّ الفصاحة و البلاغة لم تختصّ بلغة دون أخرى و لا بأمّة دون غيرها.
لكن هناك من حاول اختصاص التحدّي بالعهد الأوّل و إن كان الإعجاز باقيا مع الخلود زعما بأنّ عجز ذلك الدور يكفي دليلا على كونه معجزا أبدا.
هكذا زعمت الكاتبة بنت الشاطي، قالت: مناط التحدي هو عجز بلغاء العرب في عصر المبعث، و أمّا حجة إعجازه فلا تخصّ عصرا دون عصر و تعمّ العرب و العجم، و كان عجز البلغاء من العصر الأوّل و هم أصل الفصاحة برهانا فاصلا في قضية التحدّي ...[١].
قلت: و لعلّها في ذهابها هذا المذهب، خشيت أن لو قلنا بأنّ التحدّي قائم و لا يزال، أن سوف ينبري نائرة الكفر و الإلحاد، ممّن لا يقلّ عددهم في الناطقين بالضاد، فيأتي بحديث مثله، و بذلك ينقض أكبر دعامة من دعائم الإسلام! لكنّها فلتطمئن أنّ هذا لن يقع و لن يكون، لأنّ القرآن وضع على اسلوب لا يدانيه كلام بشر البتة، و لن يتمكن أحد أن يجاريه لا تعبيرا و أداء و لا سبكا و اسلوبا، ما دام الإعجاز قائما بمجموعة اللفظ و المعنى، رفعة و شموخ في المحتوى، و جمال و بهاء في اللفظ و التعبير، فأيّ متكلّم أو ناطق يمكنه الإتيان بهكذا مطالب رفيعة، لم تسبق لها سابقة في البشريّة و في هكذا قالب جميل! اللهمّ إلّا أن يفضح نفسه.
و في التأريخ عبر تؤثر عن اناس حاولوا معارضة القرآن، لكنّهم أتوا بكلام لا يشبه القرآن و لا يشبه كلام انفسهم، بل نزلوا الى ضرب من السخف و التفاهة، باد عواره، باق عاره و شناره، فمن حدّثته نفسه أن يعيد هذه التجربة،
[١] الإعجاز البياني: ص ٦٥- ٦٨.