أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٨ - أدلة المانعين عن حجية علم القاضي
ثمّ أجاب ثانياً بأنّه: لا مانع من أن يكون حكم تحريم المناكحة والموارثة وشبهها مقصوراً على من أظهر كفره دون من أبطنه».
أقول: أمّا الأوّل: فهو مبنيّ على كون علم النبي والأوصياء (ع) بخفايا الامور من قبيل العلم الإرادي «فلو شاؤوا علموا» لا أنّه من قبيل العلم الفعلي، ويأتي هذا الكلام في محلّه، وليس هنا موقع بحثه.
والثاني: مبنيّ على كون موضوع الحكم خصوص من أظهر الكفر، وهو مخالف لظاهر الإطلاقات الدالّة على إناطة الحكم بالكفر والإيمان الواقعيين، الظاهرة في عدم دخالة العلم والجهل والظهور والتبطّن فيها، فتأمّل.
والأولى في الجواب أن يقال:
أوّلًا: هذا مبنيّ على كون العلم الحاصل من منابع الغيب ملاكاً للأحكام، وهو غير ثابت بل الثابت خلافه، فلو علم الإنسان من الطرق العادية بأنّ هذا الرجل كافر أو فاسق أو هذا الطعام حرام أو نجس، يجري عليه أحكامه، أمّا لو حصل هذا العلم له من منابع الغيب فلا يجري عليه أحكامه.
وبعبارة اخرى: مدار التكليف إنّما هو على العلم الحاصل من الأسباب العادية، لا من طرق علم الغيب بتعليم إلهي وأمثاله، فلو علم النبي (ص) أو الإمام (ع) من هذا الطريق بكفر أبي سفيان مثلًا أو فسق فلان، أو قتل فلان بيد فلان، لا يترتّب عليه أحكامه، وإلا لم يستقرّ حجر على حجر، لعلمهم بجملة من الغيوب لو لم نقل بكلّها بإذن الله تبارك وتعالى.
وبهذا نجيب عن الإشكال المعروف بأنّ عليّاً (ع) كان يعلم أنّه لو ذهب إلى المسجد لضربه ابن ملجم، أو أنّ الحسن (ع) كان يعلم أنّ ماء الكوز مخلوط بالسمّ، إلى غير ذلك من أشباهه مع ما ورد في الأخبار عن