أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٣ - حكم التوبة بعد قيام البينة أو الإقرار
بقي هنا امور:
الأمر الأوّل: لو ادّعى التوبة من قبل بعد قيام البيّنة وقال: قد تبت مثلًا قبل شهر إلى الله تعالى، فهل تقبل دعواه؟ الظاهر لا تقبل لأنّ إثبات ذلك يحتاج إلى دليل لا سيّما مع ما عرفت في رواية جميل من قوله:
«إذا صلح وعرف منه أمر جميل لم يقم عليه الحدّ»
وقوله (ع) في نفس الرواية:
«لو كان خمسة أشهر أو أقلّ وقد ظهر منه أمر جميل»
بالنسبة إلى الرجل الغريب المُدّعي للتوبة[١].
والاستدلال بالشبهة في المقام ممنوع، وإلا أمكن لكلّ أحد دعوى التوبة بينه وبين الله تعالى وبطلت الحدود كلّها، فتدبّر.
الأمر الثاني: حكم تفريق الشهود، قال المحقّق (قدس سره) في «الشرائع»: «ومن الاحتياط تفريق الشهود، في الإقامة بعد اجتماع وليس بلازم». والمراد منه أنّهم إذا اجتمعوا للشهادة يفرق الحاكم بينهم ويستنطق كلّ واحد منهم مستقلًا كي يعلم أنّهم صادقون أو كاذبون، أو خاطئون، مثلًا يسأل كلّ واحد منهم في أيّ زمان وفي أيّ مكان وقع الزنا ومع أيّ امرأة وفي أيّ حالة وفي أيّ كيفية، فإنّه قلّما يمكن توافق الشهود كذباً في جميع الخصوصيات، وتفريق الشهود في عصرنا له دور كبير في المسائل الحقوقية والجنائية، وقلّما يستنطق الشهود في مجلس واحد في الامور الهامّة. نعم قد تواجه الشهود الصعوبة بعد التفريق وله أيضاً أثر تامّ في كشف الحقيقة، وكذا الكلام في التفريق بين المتّهمين، فإنّهم إذا اشتركوا في الاتّهام يكون استقلال كلّ واحد في السؤال، له أثر كبير في كشف الحقيقة.
ويظهر من بعض الروايات أنّه كان من قضايا داود (ع) في حقّ غلام سمّاه
[١]. وسائل الشيعة ٣٧: ٢٨، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب مقدّمات الحدود، الباب ١٦، الحديث ٣ ..