أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٠ - حكم التوبة بعد قيام البينة أو الإقرار
هذا، ولكن قد يظهر من بعض روايات الباب ٢٠ في حكم الشفاعة ما يدلّ على خلاف المطلوب، فعن السكوني، عن أبي عبدالله (ع) قال:
«قال أمير المؤمنين (ع): لا يشفعن أحد في حدّ إذا بلغ الإمام، فإنّه لا يملكه واشفع فيما لم يبلغ الإمام إذا رأيت الندم ...»
[١].
فإنّه إذا سقط الحدّ بالندامة التي هي حقيقة التوبة فلا حاجة إلى الشفاعة.
وفيه: مضافاً إلى الإشكال في سند الحديث، أنّ الشفاعة هنا في الواقع طريق إلى ثبوت التوبة، وإلا فمجرّد الشفاعة لا أثر لها في هذه الأبواب.
وأمّا عدم سقوطه بعد قيام البيّنة، فهو المشهور بين الأصحاب كما في «المسالك»، ولكن حكي عن جماعة، منهم: المفيد وأبو الصلاح تخيير الإمام حينئذٍ بين إقامته عليه والعفو عنه[٢].
ويدلّ على عدم السقوط:
أوّلًا: استصحاب بقائه كما في «المسالك» أيضاً.
وفيه: أنّه مبنيّ على جواز الاستصحاب في الشبهات الحكمية، وقد ذكرنا في محلّه عدم صحّته.
وثانياً: ما رواه بعض أصحابنا، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (ع) في رجل اقيمت عليه البيّنة بأنّه زنى، ثمّ هرب قبل أن يضرب، قال:
«إن تاب فما عليه شيء، وإن وقع في يد الإمام أقام عليه الحدّ، وإن علم مكانه بعث إليه»
[٣].
والمراد من قوله (ع):
«إن تاب فما عليه شيء
»، يعني توبته بينه وبين الله تعالى مقبولة وليس عليه شيء كالمرتدّ الفطري الذي تقبل توبته واقعاً، ولكن
[١]. وسائل الشيعة ٤٣: ٢٨، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب مقدّمات الحدود، الباب ٢٠، الحديث ٤.
[٢]. مسالك الأفهام ٣٥٨: ١٤.
[٣]. وسائل الشيعة ٣٧: ٢٨، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب مقدّمات الحدود، الباب ١٦، الحديث ٤ ..