تيجان الولاء في شرح بعض فقرات زيارة عاشوراء - البلداوي، وسام - الصفحة ٣٣٩ - الفقر عنوان حب النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم
ولا يتوهم بأن هذا التقشف في العيش ناتج عن قصور في منزلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند الله سبحانه وتعالى أو هوانه في الملأ الأعلى حاشاه، بل لأجل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ينظر إلى الدنيا بنظر القرآن الكريم وبعين الملأ الأعلى، فكانت عنده وكل ما فيها متاعاً زائلاً، وان من يركن إليها ويغتر بها فقد ((أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ))[٦٠٧] ولو شاء صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو الله سبحانه وتعالى أن يملأ له الأرض ذهبا لفعل، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: (عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا. قلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما...)[٦٠٨].
الفقر عنوان حب النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم
لم يكتف النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم من جعل الزهد والترفع عن هذه الدنيا ولذاتها شعارا له، حتى جعل ميزان القرب والبعد عنه صلى الله عليه وآله وسلم وعن الله سبحانه هو مقدار زهد العبد وترفعه عنها، فأقربهم إليه أزهدهم فيها، وأغبطهم عنده أشدهم تعلقا بالآخرة لأنها الأبقى، وقد أوضح النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الميزان بقوله: (إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من الصلاة، أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك)[٦٠٩].
[٦٠٧] سورة التوبة الآية رقم ١٠٩.
[٦٠٨] مسند احمد ج٥ ص٢٥٤ ، فتح الباري لابن حجر ج١١ ص٢٥٠ ، الجامع الصغير للسيوطي ج٢ ص١٥٢.
[٦٠٩] تفسير البغوي ج١ ص١٧٧ ، كنز العمال ج٣ ص١٥٣ ، الجامع الصغير ج١ ص٣٣٧ ، سنن الترمذي ج٤ ص٦.