تيجان الولاء في شرح بعض فقرات زيارة عاشوراء - البلداوي، وسام - الصفحة ٢٥٤ - أولا شواهد قرآنية على ان لكل الموجودات عقلاً وإدراكاً
وقال ابن قتيبة: (قال أبو محمد ونحن نقول إن المعتقد أن الهوام والسباع والطير لا يجوز عليها عصيان ولا طاعة مخالف لكتاب الله عز وجل وأنبيائه ورسله وكتب الله المتقدمة؛ لان الله تعالى قد أخبرنا عن نبيه سليمان عليه السلام أنه تفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين، أي بعذر بين وحجة في غيبته وتخلفه ولا يجوز أن يعذبه إلا على ذنب ومعصية والذنوب والمعاصي تسمى فسوقا وما جاز أن يسمى عاصيا جاز أن يسمى فاسقا، ثم حكى الله تعالى عن الهدهد بعد أن اعتذر إلى سليمان فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم... وهذا لو كان من أقاويل الحكماء بل لو كان من كلام الأنبياء لكان كلاما حسنا وعظة بليغة وحجة بينة فكيف لا يجوز على هذا مطيع وعاص وفاسق ومهتد وقد حكى الله تعالى أيضا عن النمل ما حكاه في هذه السورة، فقال: وورث سليمان داود وقال: يا أيها الناس علمنا منطق الطير، فجعلها تنطق كما ينطق الناس وقال حتى أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل، الآية، فجعلها تنطق كما ينطق الناس، وقال وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم وقال يا جبال أوبي معه والطير، أي سبّحي...)[٤١٠].
أقول: وتحذير النملة لباقي النمل من جيش نبي الله سليمان عليه السلام وأمرها لهن بدخول مساكنهن، ومعرفتها بأن هذا الذي أمامها هو نبي الله سليمان عليه السلام، وان أولئك الذين خلفه هم جيشه وأفراد جنوده، فيه دلالة قاطعة على أنّ لها مستوى من الإدراك والعقل، وان كان ليس بمستوى العقل والإدراك الذي منحه الله سبحانه للإنسان، بل وربما كان فهمها وعقلها وإدراكها لبعض
[٤١٠] تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص ١٢٩ ــ ١٣٣.