سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٦٦ - فاطمة الزّهراء سيّدة نساء العالمين
و مهما كان الحال في تاريخ ولادتها فلقد نشأت بين أبوين ما عرف التاريخ أكرم منهما و لا كان لأحد في تاريخ الانسانية ما لأبيها من الآثار التي غيرت وجه التاريخ و دفعت الانسان العربي أشواطا بعيدة إلى الامام في بضع سنوات معدودات، و لا حدث عن أم كأمها اعطت مالها و وهبت كل ما لديها و حتى حياتها لزوجها العظيم مقابل ما اعطاها من هداية و نور حتى أصبحت السيدة الأولى بين نساء المسلمين اللواتي يبلغن آلاف الملايين إلى هذا التاريخ.
في ظل هذين الابوين درجت فاطمة الزهراء (ع) و استقبلت منذ طفولتها حدثا جليلا تخطى مكة و المدينة و الجزيرة العربية بكاملها و العالم كله عصرا وراء عصر.
لقد نشأت في دار أبويها وحيدة يغمرها حنان أبيها الذي فقد بنيه و لم يبق له من عزاء بعدهم إلا عبء النبوة الذي تأهب له زمنا و نهض به زمنا و تحمّل في سبيله ما تنوء به الجبال فأنى اتجه و أنى ذهب يرى قريشا و غلمانها و عبدانها له بالمرصاد و فاطمة على صغر سنها ترى كل ذلك و تساهم مع أمها في التخفيف من وقع ذلك في نفسه، فكانت تتلوى من الألم لما يلقى من فادح الأذى، و تتجرع مرارة ما كان يكابده المسلمون الاولون من اضطهاد مرير، حتى لتكاد تحس لسع الصخور الملتهبة و هي تلقى عليهم في حر الصيف و ساعات اللهيب المحرقة، و ألم السياط التي كانت قريش تلهب بها ظهور المستضعفين و المعذبين بين أسوار الحصار المنهك عددا من السنين. و توالت عليها المشاهد التي كان وقعها أليما على نفسها و قلبها و هي لا تزال في سن الطفولة ترى أباها يتلوى من أجل أولئك المعذبين و لا يستطيع أن يصنع لهم شيئا.
و كان من أيسر ما لحقه من الأذى أن مرّ عليه أحد سفهاء قريش كما جاء في رواية الطبري فاغترف بكلتا يديه من التراب و الاوساخ و صبها على رأسه، فدخل بيته و التراب على رأسه فقامت إليه بنته فاطمة و جعلت تغسل التراب عن رأسه و تبكي و هي حديثة عهد بوفاة أمها الصديقة الكبرى خديجة، و بالرغم من أن بكاءها كان موجعا لقلبه إلا أن ذلك و غيره من الصدمات القاسية لم يزده إلا صبرا و ثباتا و ايمانا بأنه سوف يتغلب على أعدائه في النهاية، فالتفت إليها و عيناها