سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٣٨٠ - موقف ابي ذر الغفاري من عثمان و حاشيته
ممن صحبوه و تابعوه، و لكنهم تحاموا عن وداعه خوفا من عثمان و حاشيته و لم يخرج لوداعه غير علي و أخيه عقيل و الحسن و الحسين و عمار بن ياسر، و تقدم الحسن بن علي لوداع أبي ذر فقال له مروان بن الحكم: أ لا تعلم بأن الأمير قد نهى عن كلام هذا الرجل، فتقدم إليه أمير المؤمنين (ع) و ضرب بسوطه رأس راحلته و قال له: تنح نحاك اللّه إلى النار، فرجع شاكيا فتلظى عليه عثمان غضبا على حد تعبير المؤرخين. و قال له أمير المؤمنين: يا ابا ذر ان القوم قد منعوك دنياهم و منعتهم دينك فما اغناك عما منعوك، و ما احوجهم إلى ما منعت، و قال له عمار بن ياسر:
و اللّه لو اردت دنياهم لآمنوك، و لو رضيت اعمالهم لأحبوك، و ما منع الناس أن يقولوا بقولك إلا الرضا بالدنيا و الجزع من الموت.
و تكلم كل واحد منهم بكلام يتناسب مع المقام، و بكى أبو ذر عند وداعهم و قال: لقد ثقلت على عثمان بالحجاز و على معاوية بالشام و كره أن اجاور اخاه و ابن خاله بالمصرين فأفسد الناس عليهم فصيرني إلى بلد ليس لي فيه ناصر و لا دافع إلا اللّه، و اللّه لا أريد إلا اللّه صاحبا.
و عاش أبو ذر (رحمه اللّه) في الربذة [١] ما بقي من حياته غريبا بعيدا عن الناس في ارض مقفرة من السكان و حتى من الطير و الوحوش إلى أن وافته منيته فيها و يسر اللّه له وفدا من أهل العراق كانوا في طريقهم لحج بيت اللّه الحرام، فلوحت لهم زوجته فمالوا إليها، و أصيبوا بالذهول و الدهشة حينما علموا أن الميت هو ذلك الصحابي الجليل الذي كان رسول اللّه يجله و يفضله على الكثير من اصحابه فتولوا تغسيله و دفنه و حملوا زوجته و ابنته إلى المدينة و صدق فيه قول رسول اللّه (ص):
يا ابا ذر تعيش وحدك و تدفن وحدك و تحشر وحدك و يسعد فيك أناس من أهل العراق يتولون غسلك و مواراتك في قبرك [٢].
[١] الربذة تقع على ثلاثة اميال من المدينة قريبة من ذات عرق.
[٢] انظر ج ٢ من شرح النهج ص ٤٠٤.