سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٥٢ - الصحابية الأولى خديجة بنت خويلد
لقد ماتت خديجة و غابت عن دنيا الناس، و لكنها ظلت ماثلة بين عيني زوجها العظيم الوفي و دخلت في حياته من بعدها نساء عديدات حسبما يحدث بذلك التاريخ، و لكن مكانها من قلبه و في دنياه ظل خاليا لم تشغله امرأة غيرها، و لم تستطع واحدة منهن أن تحتل مكانها و أن تفلح في ابعاد طيفها من قلبه و نفسه الذي كان يتبعه حيث يسير. و شهد بيته عائشة بنت أبي بكر و هي في مطلع صباها و نضرة شبابها تستبد بها الغيرة من خديجة التي سبقتها إلى قلبه، لأنه ظل يردد اسمها و وفاءها في كل صباح و مساء.
لقد وفدت على المدينة اختها هالة، فما أن سمع محمد صوتها حتى تذكر صوت اختها الراحلة، فخفق لها قلبه و صاح مرحبا بك يا هالة. فلم تملك عائشة نفسها حتى هتفت به تقول.
ما زلت تذكر بحسرة و ألم عجوزا من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت من عدة سنين و قد أبدلك اللّه خيرا منها [١].
و مع أنه كان واسع الصدر صبورا على الأذى لا ينفعل لكلمات عابرة من هذا النوع، بدا عليه الانفعال و تغير لونه و التفت إليها و قد استولى عليه الغضب و قال:
و اللّه ما أبدلني اللّه خيرا منها آمنت بي حين كفر الناس، و صدقتني إذ كذبني الناس و واستني بمالها إذ حرمني الناس و رزقني اللّه منها الولد دون غيرها من النساء [٢].
فأمسكت عائشة عن الكلام و هي تقول:
و اللّه لا أذكرها بعد اليوم.
و لكنها الغيرة كانت تستبد بها في أكثر الأحيان، فلا تملك نفسها إذا ذكرها النبي (ص) لمناسبة من المناسبات و ما أكثر المناسبات التي كانت تذكره بها، فلا تملك نفسها أن تنال منها و تقول:
[١] المحب الطبري و السمط الثمين.
[٢] المصدر السابق و الاستيعاب لابن عبد البر.