سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٣١٣ - علي و بيت المال
و قد روى أبو اسحاق الهمداني أن امرأتين اتيا عليا (ع) إحداهما من العرب و الأخرى من الموالي فسألتاه فدفع إليهما دراهم و طعاما بالسواء، فقالت إحداهما إني امرأة من العرب، و هذه من العجم، فقال: إني و اللّه لا أجد لبني اسماعيل في هذا الفيء فضلا على بني اسحاق.
بعد ما شاهد الطامعون و المستغلون منه ذلك و سمعوه يقول: و اللّه لو كان المال لي لقسمته بالسوية فكيف و هو مال المسلمين، و سمعوه يقول: إني لأعرف ما يصلحكم و لكني لا أصلحكم بفساد ديني و لا اشتري النصر بالجور، بعد أن سمعوا منه ذلك و أيقنوا بأنه غير مستعد لأن يعاملهم بما اعتادوه و ألفوه في عهد من سبقه، و قد وجدوا ابن هند يفتح لهم صدره و يوفر لهم جميع ما يشتهون و يريدون، بعد ذلك كله كان من الطبيعي أن يقفوا منه هذا الموقف و أن يعيش أيامه الأخيرة في ألم و حسرة و يتمنى فراقهم بالموت أو القتل.
لقد كان الامام (ع) يرى أن النظام السليم لا يقوم إلا على أساس العدل في الرعية، و لا يمكن أن تتحقق العدالة إلا بإلغاء التفاوت بين الطبقات و العمل حسب الظروف و الأوضاع لمصلحة المعوزين و الفئات الفقيرة، و كان يعلم أن ذلك سيكلفه الكثير من المتاعب و سيجلب له الأخصام و الأعداء و سيمد معاوية و أمثاله بالقوة، و لكن ذلك لم يكن ليثنيه عن رأيه، ففي الأيام الأولى من خلافته وزع الأموال على الجميع بالسوية في حين أن التفاوت في توزيع الأموال كان بالغا أقصى حدوده في عهد من سبقوه، ففي عهد الخليفتين أبي بكر و عمر كان التوزيع من اثني عشر ألفا إلى خمسة آلاف و أربعة و ثلاثة و ألفين لعامة الناس، و فقرائهم، و في عهد الثالث لم يكن للتفاوت حدود و حواجز و عادت الروح الجاهلية التي حارب من أجلها أبو سفيان و أمثاله إلى أقبح صورها و أشكالها، فالأقربون إليه من أسرته قد رفعهم على رءوس الناس و حصر القيادة و السلطة بهم، و هم الذين كانوا يتولون من قبل قيادة المشركين لحرب الإسلام، و غيرهم من المؤيدين و المناصرين يأخذون ما يريدون بدون حسيب أو رقيب و لم تمكنه الظروف القاسية التي أحاطت به خلال الفترة القصيرة من حكمه أن يقضي على مخلفات العهد السابق و لا أن يمد يده إلى الأموال التي استولى عليها