سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٣٠٢ - زهده في الدنيا
زيت [١]، فقلت يا أمير المؤمنين أ حرام هو، فقال: لا و لكن على أئمة الحق أن يتأسوا بأضعف رعيتهم حالا في الأكل و اللباس و لا يتميزون عليهم بشيء لا يقدرون عليه ليراهم الفقير فيرضى عن اللّه تعالى بما هو عليه، و يراهم الغني فيزداد شكرا و تواضعا.
و أضاف إلى ذلك الأحنف بن قيس أن الربيع بن زياد الحارثي جاء إلى علي (ع) و قال يا أمير المؤمنين أن أخي عاصم بن زياد لبس العبا و تنسك و هجر أهله، فقال له علي (ع) عليّ به فجاءه و قد ائتزر بعباءة و ارتدى بأخرى أشعث أغبر، فقال له: و يحك يا عاصم أ ما تستحي من أهلك، أ ما ترحم ولدك، أ لم تسمع قوله تعالى: و يحل لهم الطيبات، أ ترى أن اللّه أباحها لك و لأمثالك و هو يكره أن تنال منها، أ ما سمعت قول رسول اللّه (ص): «إن لنفسك عليك حقا و لولدك عليك حقا و لربك عليك حقا، فقال له عاصم: فما بالك يا أمير المؤمنين في خشونة ملبسك و خشونة مطعمك، و أني أتزيا بزيك، فقال له:
و يحك أن اللّه فرض على أئمة الحق أن يتصفوا بأوصاف أفقر رعيتهم لئلا يزدري الفقير بفقره و ليحمد اللّه الغني على غناه.
و جاء عن سويد بن غفلة أنه قال: دخلت على علي أمير المؤمنين في قصر الإمارة بالكوفة و بين يديه رغيف من شعير و قدح من لبن و الرغيف يابس تارة يكسره بيديه و أخرى بركبتيه، فشق علي ذلك، فقلت لجارية له يقال لها فضة:
أ لا ترحمين هذا الشيخ و تنخلين له هذا الشعير، أ ما ترين نشارته على وجهه و ما يعاني منه، فقالت: أ يؤجر هو و نأثم نحن، أنه عهد إلينا أن لا ننخل له طعاما قط، قال سويد: فالتفت إلي أمير المؤمنين (ع) و قال ما تقول لها يا ابن غفلة، فأخبرته و قلت ارفق بنفسك يا أمير المؤمنين. فقال: و يحك يا سويد ما شبع رسول اللّه (ص) من خبز ثلاثا تباعا حتى لقي اللّه و لا نخل له طعام قط، و لقد جعت مرة في المدينة جوعا شديدا فخرجت اطلب العمل و إذا بامرأة قد جمعت مدرا تريد أن تبله فقاطعتها على كل دلو بتمرة فمددت ستة عشرة دلوا
[١] البس هو لت السويق أو الدقيق بالسمن أو الزيت.