سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٢٨ - خطبة الزهراء في المسجد
و على أي حال فإن صح أنها وقفت هذا الموقف في مسجد النبي (ص) و خاطبت الأنصار و المهاجرين بتلك اللهجة القاسية التي لا بديل عنها فلا بد و أن يكون لكلامها أثره و قد نصت الرواية على أن فريقا من الأنصار قد هتفوا بعلي (ع)، و لكنه أمرهم بالخلود و السكينة خوفا من اضطراب الأمر مما يدل على أن القوم فهموا ما تعنيه و ترمز إليه من تقريعها لهم و وصفهم بالارتداد و النفاق، و كذلك هتفوا بعلي و خاف أبو بكر أن ينتقض الأمر عليه فوقف يهدد و يتوعد و يحذر من أي تحرك جديد ضد الوضع القائم.
و مما يؤكد أن الخلافة وحدها كانت تعنيها في جميع تحركاتها أن حديثها مع نساء المهاجرين و الأنصار الذي نقلنا شطرا منه في الصفحات السابقة كان يدور حول الخلافة وحدها و موقف رجالهن المتخاذل منها، و لم تتعرض لفدك و لا لغيرها من سهام ذوي القربى و الارث، و حسبما اعتقد أنها لم تتحدث عن الارث في خطابها في المسجد إلا لتسجل عليهم تجاوزا صريحا لما أنزل اللّه سبحانه في كتابه بالاضافة إلى استيلائهم على الخلافة الذي تجرعت مرارته و كان أشد ايلاما لنفسها من جميع الأحداث التي تلت وفاة أبيها.
و مما لا شك فيه بأن حرصها البالغ أقصى حدوده على هذا الأمر لم يكن إلا لأنها كانت ترى أن مصلحة الإسلام العليا تقتضي ذلك و استيلاء علي عليها سيكون امتدادا لسلطة النبي التي كانت لخير الإسلام و نشره، و مما يدل على أن مصلحة الإسلام كانت في نظرها فوق جميع الاعتبارات ما جاء في رواية شرح النهج و غيره من المرويات الشيعية أنها قد رجعت من المسجد بعد خطابها و بيدها كتاب كتبه لها أبو بكر في فدك، فانتزعه منها عمر بن الخطاب و خرقه فقالت له: بقر اللّه بطنك كما بقرت صحيفتي هذه. و تضيف الروايات الشيعية إلى ذلك أنها رجعت إلى البيت بعد موقف عمر بن الخطاب منها مكسورة مهضومة فتحدثت مع علي (ع) بكلام تبدو عليه الشدة و القسوة و فيما هي تحدثه و إذا بالمؤذن يقول: أشهد أن محمدا رسول اللّه فقام عند ذلك إلى السيف، و قال لها: أ تريدين الخلافة و الإرث، أم تريدين رسالة أبيك و بقاءها فتعلقت به و قال حسبي ذلك إلى غير ذلك مما يرويه الرواة حول هذا الموضوع.