نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٨٨ - ١٩١ - و من خطبة له عليه السّلام
و تجمّلا فى فاقة، و صبرا فى شدّة، و طلبا فى جلال، و نشاطا فى هدى، و تحرّجا عن طمع [١]، يعمل الأعمال الصّالحة و هو على وجل، يمسى و همّه الشّكر و يصبح و همّه الذّكر، يبيت حذرا، و يصبح فرحا: حذرا لما حذر من الغفلة، و فرحا بما أصاب من الفضل و الرّحمة. إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره [٢] لم يعطها سؤلها فيما تحبّ، قرّة عينه فيما لا يزول، و زهادته فيما لا يبقى [٣]، يمزج الحلم بالعلم، و القول بالعمل، تراه قريبا أمله، قليلا زلله، خاشعا قلبه، قانعة نفسه، منزورا أكله، سهلا أمره، حريزا دينه [٤]، ميتة شهوته، مكظوما غيظه، الخير منه مأمول، و الشّرّ منه مأمون، إن كان فى الغافلين كتب فى الذّاكرين، و إن كان فى الذّاكرين لم يكتب من الغافلين [٥]، يعفو عمّن ظلمه، و يعطى من حرمه، و يصل من قطعه، بعيدا فحشه [٦]، ليّنا قوله، غائبا منكره،
[١] التحرج: عد الشىء حرجا، أى: إثما، أى: تباعدا عن طمع
[٢] «إن استصعبت» أى: إذا لم تطاوعه نفسه فيما يشق عليها من الطاعة عاقبها بعدم إعطائها ما ترغبه من الشهوة
[٣] «ما لا يزول» هو الآخرة، و «ما لا يبقى» هو الدنيا
[٤] منزورا: قليلا، و «حريزا» أى: حصينا
[٥] أى: إن كان بين الساكنين عن ذكر اللّه فهو ذاكر له بقلبه، و إن كان بين الذاكرين بلسانهم لم يكن مقتصرا على تحريك اللسان مع غفلة القلب
[٦] الفحش: القبيح من القول.