نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٨٦ - ١٩١ - و من خطبة له عليه السّلام
كتب عليهم لم تستقرّ أرواحهم فى أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثّواب، و خوفا من العقاب، عظم الخالق فى أنفسهم فصغر ما دونه فى أعينهم، فهم و الجنّة كمن قد رآها [١] فهم فيها منعّمون، و هم و النّار كمن قد رآها، فهم فيها معذّبون: قلوبهم محزونة، و شرورهم مأمونة، و أجسادهم نحيفة [٢]، و حاجاتهم خفيفة، و أنفسهم عفيفة، صبروا أيّاما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة.
تجارة مربحة [٣] يسّرها لهم ربّهم، أرادتهم الدّنيا فلم يريدوها، و أسرتهم ففدوا أنفسهم منها. أمّا اللّيل فصافّون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن: يرتّلونه ترتيلا، يحزنون به أنفسهم، و يستثيرون دواء دائهم [٤]، فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، و تطلّعت نفوسهم إليها شوقا، و ظنّوا أنّها نصب أعينهم، و إذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم، و ظنّوا أنّ زفير جهنّم و شهيقها فى أصول آذانهم [٥]، فهم حانون على أوساطهم، مفترشون
[١] أى: هم على يقين من الجنة و النار كيقين من رآهما، فكأنهم فى نعيم الأولى و عذاب الثانية، رجاء و خوفا
[٢] نحافة أجسادهم من الفكر فى صلاح دينهم و القيام بما يجب عليهم
[٣] يقال «أربحت التجارة» إذا أفادت ربحا
[٤] استثار الساكن: هيجه، و قارىء القرآن يستثير به الفكر الماحى للجهل، فهو دواؤه
[٥] زفير النار: صوت توقدها، و شهيقها الشديد من زفيرها كأنه تردد البكاء أو نهيق الحمار، أى: إنهم من كمال يقينهم بالنار يتخيلون صوتها تحت جدران آذانهم، فهم من شدة الخوف قد حنوا ظهورهم و سلطوا الانحناء على أوساطهم. و فكاك الرقاب: خلاصها.