نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٧٤ - ١٩٠ - و من خطبة له عليه السّلام تسمى القاصعة ١
و تخشيعا لأبصارهم، و تذليلا لنفوسهم، و تخفيضا لقلوبهم، و إذهابا للخيلاء عنهم، لما فى ذلك من تعفير عتاق الوجوه بالتّراب تواضعا [١]، و التصاق كرائم الجوارح بالأرض تصاغرا، و لحوق البطون بالمتون من الصّيام تذلّلا، مع ما فى الزّكاة من صرف ثمرات الأرض، و غير ذلك إلى أهل المسكنة و الفقر [٢]. انظروا إلى ما فى هذه الأفعال من قمع نواجم الفخر [٣] و قدع طوالع الكبر و لقد نظرت فما وجدت أحدا من العالمين يتعصّب لشىء من الأشياء إلاّ عن علّة تحتمل تمويه الجهلاء، أو حجّة تليط بعقول السّفهاء، غيركم [٤]، فإنّكم تتعصّبون لأمر لا يعرف له سبب و لا علّة: أمّا إبليس فتعصّب على آدم لأصله، و طعن عليه فى خلقته. فقال: (أنا نارىّ و أنت طينىّ) و أمّا
[١] عتاق الوجوه: كرامها، و هو جمع عتيق من «عتق» إذا رقت بشرته. و المتون: الظهور
[٢] هذا نوع من تحكيم الفقراء فى أموال الأغنياء، و تسليط لهم عليهم، و فيه إضعاف لكبر الأغنياء
[٣] القمع: القهر، و تقول: قمعته - مثل منعته - و أقمعته، أى: قهرته و أذللته و النواجم: جمع ناجمة من «نجم» إذا طلع و ظهر، و القدع: الكف و المنع، و تقول: قدعه - مثل منعه - و أقدعه أيضا، إذا كفه و كبح جماحه
[٤] «تليط، و تلوط» أى: تلصق، و قوله «غيركم» أى: أنتم، فانكم تتعصبون لا عن حجة يقبلها السفيه، و لا عن علة تحتمل التمويه