نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٧٢ - ١٩٠ - و من خطبة له عليه السّلام تسمى القاصعة ١
نبذوا السّرابيل وراء ظهورهم [١]، و شوّهوا بإعفاء الشّعور محاسن خلقهم، ابتلاء عظيما، و امتحانا شديدا، و اختبارا مبينا، و تمحيصا بليغا، جعله اللّه سببا لرحمته، و وصلة إلى جنّته. و لو أراد - سبحانه - أن يضع بيته الحرام، و مشاعره العظام، بين جنّات و أنهار، و سهل و قرار [٢]، جمّ الأشجار، دانى الثّمار، ملتفّ البنى، متّصل القوى، بين برّة سمراء [٣]، و روضة خضراء، و أرياف محدقة، و عراص مغدقة، و رياض ناضرة، و طرق عامرة، لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء، و لو كان الإساس المحمول عليها [٤]، و الأحجار المرفوع بها بين زمرّدة خضراء، و ياقوتة حمراء، و نور و ضياء، لخفّف ذلك مسارعة الشّكّ فى الصّدور، و لوضع مجاهدة إبليس عن القلوب، و لنفى معتلج الرّيب من النّاس [٥]، و لكنّ اللّه يختبر عباده بأنواع
[١] السرابيل: الثياب، واحدها سربال - بكسر فسكون - و سربله فتسربل، أى: ألبسه السربال فلبسه، و إعفاء الشعور: تركها بلا حلق و لا قص
[٢] القرار: المطمئن من الأرض، و جم الأشجار: كثيرها. و البنى: جمع بنية - بضم الباء، و كسرها -: ما ابتنيته، و ملتف البنى: كثير العمران
[٣] البرة: الحنطة، و السمراء أجودها. و الأرياف: الأراضى الخصبة، و العراص: جمع عرصة، و هى الساحة ليس بها بناء، و المحدقة: من «أحدقت الروضة» إذا صارت ذات شجر، و المغدقة: من «أغدق المطر» إذا كثر ماؤه
[٤] الاساس - بكسر الهمزة -: جمع أس - مثلثها - أو أساس
[٥] الاعتلاج: الالتطام، تقول «اعتلجت الأمواج» إذا التطمت، أى: زال تلاطم الريب و الشك من صدور الناس