نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٤٧ - ١٨٤ - و من خطبة له عليه السّلام فى التوحيد،
على غير قرار، و أقامها بغير قوائم، و رفعها بغير دعائم، و حصّنها من الأود و الاعوجاج [١] و منعها من التّهافت و الانفراج [٢]، أرسى أوتادها [٣]، و ضرب أسدادها، و استفاض عيونها، و خدّ أوديتها، فلم يهن ما بناه [٤]، و لا ضعف ما قوّاه.
هو الظّاهر عليها بسلطانه و عظمته، و هو الباطن لها بعلمه و معرفته، و العالى على كلّ شىء منها بجلاله و عزّته، [و] لا يعجزه شىء منها طلبه، و لا يمتنع عليه فيغلبه، و لا يفوته السّريع منها فيسبقه، و لا يحتاج إلى ذى مال فيرزقه.
خضعت الأشياء له، و ذلّت مستكينة لعظمته، لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره فتمتنع من نفعه و ضرّه، و لا كفء له فيكافيه، و لا نظير له فيساويه، هو المفنى لها بعد وجودها، حتّى يصير موجودها كمفقودها.
و ليس فناء الدّنيا بعد ابتداعها، بأعجب من إنشائها و اختراعها! و كيف [و] لو اجتمع جميع حيوانها من طيرها و بهائمها، و ما كان من مراحها و سائمها [٥]
[١] الاعوجاج: عطف تفسير على الأود
[٢] التهافت: التساقط قطعة قطعة، و الانفراج: الانشقاق
[٣] الأوتاد: جمع وتد - بزنة كتف - و الأسداد: جمع سد - بفتح السين و ضمها - و المراد بها الجبال. و قال الرازى «و فى الديوان: و قال بعضهم: السد - بالضم ما كان من خلق اللّه، و بالفتح: ما كان من عمل بنى آدم» اه و «خد» أى: شق
[٤] يهن: من الوهن، بمعنى الضعف
[٥] مراحها - بضم الميم - اسم مفعول من «أراح الابل» إذا ردها إلى المراح - بالضم - أى: المأوى، و السائم: الراعى: يريد ما كان فى مأواه و ما كان فى مرعاه