نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٤٨ - ١٨٤ - و من خطبة له عليه السّلام فى التوحيد،
و أصناف أسناخها و أجناسها [١] و متبلّدة أممها و أكياسها، على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها، و لا عرفت كيف السّبيل إلى إيجادها، و لتحيّرت عقولها فى علم ذلك و تاهت، و عجزت قواها و تناهت، و رجعت خاسئة حسيرة [٢] عارفة بأنّها مقهورة، مقرّة بالعجز عن إنشائها، مذعنة بالضّعف عن إفنائها.
و إنّ اللّه - سبحانه - يعود بعد فناء الدّنيا وحده لا شىء معه: كما كان قبل ابتدائها، كذلك يكون بعد فنائها، بلا وقت و لا مكان، و لا حين و لا زمان، عدمت عند ذلك الآجال و الأوقات [و زالت] و السّنون و السّاعات، فلا شىء إلاّ الواحد القهّار الّذى إليه مصير جميع الأمور. بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها، و بغير امتناع منها كان فناؤها، و لو قدرت على الامتناع دام بقاؤها.
لم يتكاءده صنع شىء منها إذ صنعه [٣]، و لم يؤده منها خلق ما خلقه و برأه، و لم يكوّنها لتشديد سلطان، و لا لخوف من زوال و نقصان، و لا للاستعانة
[١] الأسناخ: الأصول، واحدها سنخ - بكسر السين و سكون النون - و المراد منها الأنواع، أى: الأصناف الداخلة فى أنواعها. «و المتبلدة» أى: الغبية، و الأكياس: جمع كيس - بالتشديد - و هو العاقل الحاذق
[٢] الخاسىء: الذليل، و الحسير: الكال المعيى
[٣] لم يتكاءده: لم يشق عليه، و لم يؤده: لم يثقله. و برأه: مرادف لخلقه