نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٢٩ - ١٨٠ - و من خطبة له عليه السّلام
المرسلين، و أحيوا سنن الجيّارين [١]؟ أين الّذين ساروا بالجيوش، و هزموا بالألوف، و عسكروا العساكر، و مدّنوا المدائن؟!
منها: قد لبس للحكمة جنّتها [٢]، و أخذ [ها] بجميع أدبها: من الإقبال عليها، و المعرفة بها، و التّفرّغ لها، و هى عند نفسه ضالّته الّتى يطلبها، و حاجته الّتى يسأل عنها، فهو مغترب إذا اغترب الإسلام [٣] و ضرب بعسيب ذنبه
[١] سئل أمير المؤمنين عن أصحاب مدائن الرس - فيما رواه الرضى عن آبائه إلى جده الحسين - فقال: إنهم كانوا يسكنون فى مدائن لهم على نهر يسمى الرس من بلاد المشرق (هو نهر أرس فى بلاد أذربيجان) و كانوا يعبدون شجرة صنوبر مغروسة على شفير عين تسمى دوشاب (يقال: غرسها يافث بن نوح) و كان اسم الصنوبرة «ساه درخت» و عدة مدائنهم اثنتى عشرة مدينة: اسم الأولى أبان، و الثانية آذر، و الثالثة دى، و الرابعة بهمن، و الخامسة اسفندارمز، و السادسة فروردين، و السابعة اردى بهشت، و الثامنة خرداد، و التاسعة مرداد، و العاشرة تير، و الحادية عشرة مهر، و الثانية عشرة شهر نور. فبعث اللّه لهم نبيا ينهاهم عن عبادة الشجرة و يأمرهم بعبادة اللّه، فبغوا عليه و قتلوه أشنع قتل: حيث أقاموا فى العين أنابيب من رصاص بعضها فوق بعض كالبرابخ، ثم نزعوا منها الماء، و احتفروا حفرة فى قعرها، و ألقوا نبيهم فيها حيا، و اجتمعوا يسمعون أنينه و شكواه، حتى مات، فعاقبهم اللّه بارسال ريح عاصفة ملتهبة سلقت أبدانهم، و قذفت عليهم الأرض مواد كبريتية متقدة فذابت أجسادهم و هلكوا و انقلبت مدائنهم
[٢] جنة الحكمة: ما يحفظها على صاحبها من الزهد و الورع، و الكلام فى العارف مطلقا
[٣] هو مع الاسلام: فاذا صار الاسلام غريبا اغترب معه لا يضل عنه. عسيب الذنب: أصله، و الضمير فى «ضرب» للاسلام، و هذا كناية عن التعب و الأعياء، يريد أنه ضعف، و الجران - ككتاب -: مقدم عنق البعير من المذبح إلى المنحر، «٩ - ن - ج - ٢» و البعير أقل ما يكون نفعه عند بروكه، و إلصاق جرانه بالأرض: كناية عن الضعف كسابقه.