فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٠٧ - دور العرف والسيرة في استنباط الأحكام الاُستاذ جعفر الساعدي
لأدّى ذلك إلى نقض غرضه وتخلفه عن أداء رسالته ؛ من التبليغ وبيان أحكامها وحلالها وحرامها ، فإنّه بحكم كونه حجة على العباد في تبليغ الشريعة مسؤول عن توضيح ما يخالفها من أوضاع الناس ، وإلاّ كان مخالف لمسؤوليته بما هو مكلف ، وناقضا لغرضه بما هو آمر ، وكلاهما مستحيل .
وبعبارة اُخرى : إنّ الاستدلال بالسيرة العقلائية يقوم على أساس القرائن والاحتمالات ، وذلك لأنّنا لو حللنا السيرة العقلائية إلى مفرداتها وجدنا أنّ الميل العام عند العقلاء نحو سلوك معيّن ـ كالأخذ بالظواهر مثلاً ـ يعبّر عن ميول مشابهة عند عدد كثير من الأفراد تشكل مجموعها ميلاً عاما ، وحين نأخذ فردا من اُولئك الأفراد الذين يميلون إلى الأخذ بالظهور ـ مثلاً ـ ونلاحظ سكوت المولى وعدم ردعه عنه ، يمكن أن يكون قرينة ناقصة على حجّية الظهور ؛ لأنّ من المحتمل أن يكون هذا السكوت نتيجة لرضا المولى وموافقته ، فهو لذلك محتمل الحجّية ؛ إلاّ أنّ من المحتمل في الوقت نفسه ألاّ يكون السكوت ناتجا عن رضاه بالأخذ بالظهور ؛ لاحتمال أن يكون سكوته لسبب خاص ، كاطلاعه مثلاً على عدم ارتداعه لو رُدع مثلاً ، فيكون ذلك مبرر لسكوت المولى عن هذا الفرد ، فلا يكون إلاّ قرينة ناقصة على رضاه ، ولكن إذ اُضيف إلى ذلك فرد آخر له نفس الميل وسكت عنه المولى قوي احتمال الرضا ؛ لاجتماع قرينتين ، وهكذا يكبر هذا الاحتمال حتى يؤدي إلى العلم حين يوجد ميل عام ويسكت المولى عن ردعه (١٠٧).
ويمكن إثبات سكوت المولى وعدم ردعه بنفس عدم وصول الردع ؛ لأنّ عدم وصوله كاشف عن عدمه ، باعتبار أنّ الردع عن كل سيرة يتحدد حجمه وعمقه بمقدار أهمية تلك السيرة ومدى تركزها وسعتها ، فردع المعصوم (عليه السلام) عن عمل شخصي يمكن ألاّ يصل إلينا ؛ إذ ليست كل واقعة لابدّ أن تصل إلينا ، إلاّ أنّ الردع عن تصرف نوعي عام في مختلف الأحوال لابد من تكرره
(١٠٧)بحوث في علم الاُصول ٤ : ٢٤٣ـ ٢٤٥. دروس في علم الاُصول ٢ : ١٦٠ـ ١٦١.