فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٩١ - دور العرف والسيرة في استنباط الأحكام الاُستاذ جعفر الساعدي
٢ ـ الاتّجاه العرفي والعقلي في فهم الأحكام :
لقد التزم أكثر علمائنا بالدلالات العرفية واعتمدوا عليها في فهم الأحكام ، رغم انهماكهم في أعمق النظريات الفلسفية ؛ إيمانا منهم بلزوم استنباط الأحكام الشرعية بطرقها المتعارفة ، وهذا هو المسلك الصحيح في فهم الدلالات والذي عبرنا عنه بالاتجاه العرفي في فهم الأحكام .
إلاّ أنّ الغفلة عن ذلك أو الاعتقاد بما يخالفه دفع البعض إلى التمسك بالبراهين العقلية والقواعد الفلسفية في مجالات متعددة من الفقه ، ومن هذ القبيل مسألة حرمة مس الخطّ المحفور من القرآن ، حيث تردّد بعضهم في الحرمة بعد تسليمه بحرمة مسّ الخط البارز والعادي منه مستدلاًّ لذلك بأنّه غير قابل للمسّ ؛ لتقوّمه بالهواء ، وعدم صدق عنوان المسّ عليه .
واُورد عليه : بأنّه من التدقيقات الفلسفية التي لا يصحّ التمسّك بها في استنباط الأحكام ، بل لابدّ من الرجوع إلى العرف الذي يرى أنّ المحفور كبقية الخطوط التي يحرم مسّها ؛ لاتّصال أطرافه بالسطح ، فيكون قابلاً للمسّ ، فتجري فيه الحرمة كما تجري في بقيّة الخطوط (٥٦).
ومنهـا : ما ذكره بعضهم من أنّ فسخ المعاملة كما يكون بالقول كذلك يكون بالتصرّف ، إلاّ أنّ الإشكال في مشروعية التصرّف في ملك الغير قبل حدوث الفسخ ؛ إذ كيف يجوز للفاسخ أن يتصرّف في شيء لا يزال في ملك غيره ؟ !
وقد حاول البعض توجيه ذلك بطريقة فلسفية مفادها : أنّ الفسخ وإن كان متأخّرا عن التصرّف رتبةً إلاّ أنّه مقارن له زمانا ؛ لحدوثه بمجرّد تصرّف الفاسخ في العين المنقولة ، فيكون تصرّفه حينئذٍ جائزا وواقعا في ملك نفسه لا في ملك غيره .
(٥٦)التنقيح في شرح العروة الوثقى ٣ : ٥٢٨.