فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٦٣ - نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيخ حيدر حب اللّه
خمسة آلاف رواية احتواها كتاب الاستبصار ، ورغم أنّ المناهج التي أعمله الطوسي في هذا الكتاب لم تقنع الكثير من العلماء فيما بعد ، إلا أنّ تنشيطه لمثل هذه المناهج ، يدلّ في المحصّلة النهائية على تقليصه ظاهرة التعارض في النصوص إلى حدّ بليغ ، مما يعني أنّ من الممكن أن تكون ظاهرة التعارض هذه غير متصوّرة آنذاك بالحجم الذي يتصوّره البعض اليوم ، وما قلناه سابقاً من ظاهرة التعارض المحيّرة بوصفها دليلاً على ظاهرة الاجتهاد في عصر الحضور لا ينافي كلامنا هنا ؛ لأنّ ما نهدفه هناك أصل وجود هذه الظاهرة ، وما نريد مناقشته هنا سعتها المفضية إلى عدم إمكان الاعتماد على نصوص نظريّة اليقين لتكوين رؤى دينية في الكلام والشريعة على السواء .
وأمّا الحديث عن نصوص يفهم منها أنّ مسألة الأخذ بروايات الثقات كان أمراً مفروغاً منه ـ بحيث أبدى الرواة تساؤلاً حول بعض التفاصيل المبتنية عليه ، وليس لذلك من تفسير سوى اعتمادهم على أخبار الثقات بوصفها أمراً مسلّماً وسيرةً قائمة بينهم كما يقول ذلك بعض العلماء البارزين (٣٢)، وهي نصوص يبرز أهمّها متمثلاً في أخبار التعارض ـ فلا يمثّل دليلاً على شيوع ظاهرة الأخذ بأخبار الثقات من باب الظن ؛ لأنّ وجود الخبرين المتعارضين يستدعي سؤالاً عن طبيعة الوظيفة المقرّرة في التعامل معهما حتّى لو كان الاعتماد قائماً على اليقين ، فإذا واجهت دليلاً من شأنه أن يعطي اليقين ثم اصطدمت بدليل معاكس يحتوي الخصوصيات نفسها ، فإنّ الحيرة تتملّكك ، فكيف السبيل للخروج من هذا المأزق ؟
ومن الطبيعي أن يلجأ المتشرّعة المؤمنون إلى إمامهم لكي يخبروه بهذه الظاهرة ، فلعلّ عنده قواعد تجعلهم قادرين على الحصول على خصوصيّةٍ في أحد الخبرين تعزّزه فتضعّف الخبر الآخر ، فيحصل اطمئنان أو يقين بواحدٍ منهما بعد أن كانت الخصوصية كاشفةً عن نقطة ضعف في أحدهما أو نقطة قوّةٍ في الآخر .
(٣٢)النائيني ، فوائد الاُصول ٣ : ١٨٩ـ ١٩١؛ والخميني ، أنوار الهداية ١ : ٣١١، ومرتضى الفيروزآبادي ، عناية الاُصول ٣ : ٢٤١؛ ومحمد الروحاني ، زبدة الاُصول ٣ : ١٥٥.